كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾[الزمر: ٢٩]، فهذا مثلٌ ضرَبه يتضمَّنُ قياسَ الأولى في حقِّه١، يعني: إذا كان المملوكُ فيكم له مُلَّاكٌ مشتركون فيه، وهم متنازعون، ومملوكٌ آخرُ له مالكٌ واحد، فهل يكونُ هذا وهذا سواءً؟! فإذا كان هذا ليس عندكم كمن له ربٌّ واحدٌ ومالكٌ واحد، فكيف ترضون أن تجعلوا لأنفسكم آلهةً متعدِّدةً تجعلونها شركاءَ لله، تحبُّونها كما تحبُّونه، وتخافونها كما تخافونه، وترجونها كما ترجونه؟!
وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾[الزخرف: ١٧]، يعني: أنَّ أحدكم٢ لا يرضى أن يكون له بنتٌ، فكيف تجعلون لله ما لا ترضونه لأنفسكم؟!
وكقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٧٥ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[النحل: ٧٥ - ٧٦]، يعني: إذا كان لا يستوي عندكم عبد مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيءٍ وغنيٌّ مُوسَّعٌ عليه يُنْفِقُ مما رزقه الله، فكيف تجعلون الصَّنمَ الذي هو أسوأ حالًا من هذا العبد شريكًا لله؟!
(١) «حقه» ساقطة من (ق).
(٢) (ت): «أحدهم».
وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدُهما أبكمُ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِق، وهو مع ذلك عاجزٌ لا يَقْدِرُ على شيء، وآخرُ على طريقٍ مستقيمٍ في أقواله وأفعاله، وهو آمرٌ بالعدل عاملٌ به لأنه على صراطٍ مستقيم، فكيف تُسَوُّون بين الله وبين الصَّنم في العبادة؟!
ونظائرُ ذلك كثيرةٌ في القرآن وفي الحديث، كقوله في حديث الحارث الأشعريِّ: «وإنَّ الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مثَل من أشرك كمثَل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله، وقال له: اعمَل وأدِّ إليَّ، فكان يعملُ ويؤدِّي إلى غيره، فأيكم يحبُّ أن يكون عبدُه كذلك؟!»١.
فالله سبحانه لا تُضرَبُ له الأمثالُ التي يشتركُ هو وخلقُه فيها شمولًا ولا تمثيلًا، وإنَّما يُستعمَلُ في حقِّه قياسُ الأولى كما تقدَّم.
الوجه الرابع والثَّلاثون: أنَّ النُّفاة إنما ردُّوا على خصومهم من الجهمية والمعتزلة في إنكارهم الصِّفات٢ بقياس الغائب على الشاهد٣.
فقالوا: العالِمُ شاهدًا من له العلم، والمتكلِّمُ من قام به الكلام، والحيُّ والمريدُ والقادرُ من قام به الحياةُ والإرادةُ والقدرة، ولا يُعْقَلُ إلا هذا.
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٢)، والترمذي (٢٨٦٣)، وغيرهما. وصححه الترمذي، وابن خزيمة (٩٣٠)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ١١٨) ولم يتعقبه الذهبي.