مفتاح دار السعادة

وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدُهما أبكمُ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِق، وهو مع ذلك عاجزٌ لا يَقْدِرُ على شيء، وآخرُ على طريقٍ مستقيمٍ في أقواله وأفعاله، وهو آمرٌ بالعدل عاملٌ به لأنه على صراطٍ مستقيم، فكيف تُسَوُّون بين الله وبين الصَّنم في العبادة؟!

ونظائرُ ذلك كثيرةٌ في القرآن وفي الحديث، كقوله في حديث الحارث الأشعريِّ: «وإنَّ الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مثَل من أشرك كمثَل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله، وقال له: اعمَل وأدِّ إليَّ، فكان يعملُ ويؤدِّي إلى غيره، فأيكم يحبُّ أن يكون عبدُه كذلك؟!»١.

فالله سبحانه لا تُضرَبُ له الأمثالُ التي يشتركُ هو وخلقُه فيها شمولًا ولا تمثيلًا، وإنَّما يُستعمَلُ في حقِّه قياسُ الأولى كما تقدَّم.

الوجه الرابع والثَّلاثون: أنَّ النُّفاة إنما ردُّوا على خصومهم من الجهمية والمعتزلة في إنكارهم الصِّفات٢ بقياس الغائب على الشاهد٣.

فقالوا: العالِمُ شاهدًا من له العلم، والمتكلِّمُ من قام به الكلام، والحيُّ والمريدُ والقادرُ من قام به الحياةُ والإرادةُ والقدرة، ولا يُعْقَلُ إلا هذا.

  1. (١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٢)، والترمذي (٢٨٦٣)، وغيرهما.
    وصححه الترمذي، وابن خزيمة (٩٣٠)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ١١٨) ولم يتعقبه الذهبي.
  2. (٢) (ق): «إنكار الصفات».
  3. (٣) انظر: «التمهيد» للباقلاني (٣٢)، و«الإرشاد» للجويني (٨٢)، و«نهاية الأقدام» (١٧١، ١٨٢، ١٨٦).
1053

قالوا: ولأنَّ شرطَ إطلاق الاسم شاهدًا وجودُ هذه الصِّفات، ولا يستحقُّ الاسمَ في الشاهد إلا من قامت [به]، فكذلك في الغائب.

قالوا: ولأنَّ شرطَ العلم والقدرة والإرادة في الشاهد الحياةُ، فكذلك في الغائب.

قالوا: ولأنَّ علَّة١ كون العالِم عالمًا شاهدًا وجودُ العلم وقيامُه به، فكذلك في الغائب.

فقالوا بقياس الغائب على الشاهد في العلَّة والشرط والاسم والحدِّ؛ فقالوا: حدُّ العالِم شاهدًا من قام به العلم، فكذلك غائبًا، وشرطُ صحَّة إطلاق الاسم عليه شاهدًا قيامُ العلم به، فكذلك غائبًا، وعلَّةُ٢ كونه عالمًا شاهدًا قيامُ العلم به، فكذلكَ غائبًا.

فكيف تُنكِرون هنا قياسَ الغائب على الشاهد، وتحتجُّون به في مواضع أخرى؟! وأيُّ تناقضٍ أكثر من هذا؟!

فإن كان قياسُ الغائب على الشاهد باطلًا بَطَل احتجاجُكم علينا به في هذه المواضع، وإن كان صحيحًا بَطَل ردُّكم في هذا الموضع، فأمَّا أن يكون صحيحًا إذا استدللتم به، باطلًا إذا استدلَّ به خصومكم، فهذا أقبحُ التَّطفيف، وقبحُه ثابتٌ بالعقل والشرع٣.

  1. (١) (ق): «علم». وهو تحريف.
  2. (٢) في الأصول: «وعليه». وهو تحريف.
  3. (٣) الاستدلال بقياس الشاهد على الغائب مسلك متقدمي الأشاعرة، وضعَّفه بعض متأخريهم، كالجويني في «البرهان» (١/ ١٢٧، ١٢٩)، والآمدي في «غاية المرام» (٤٥). وانظر: «شرح المقاصد» (٢/ ٧٣)، و«المواقف» (٣/ ٦٧، ٦٩).
1054

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي