قالوا: ولأنَّ شرطَ إطلاق الاسم شاهدًا وجودُ هذه الصِّفات، ولا يستحقُّ الاسمَ في الشاهد إلا من قامت [به]، فكذلك في الغائب.
قالوا: ولأنَّ شرطَ العلم والقدرة والإرادة في الشاهد الحياةُ، فكذلك في الغائب.
قالوا: ولأنَّ علَّة١ كون العالِم عالمًا شاهدًا وجودُ العلم وقيامُه به، فكذلك في الغائب.
فقالوا بقياس الغائب على الشاهد في العلَّة والشرط والاسم والحدِّ؛ فقالوا: حدُّ العالِم شاهدًا من قام به العلم، فكذلك غائبًا، وشرطُ صحَّة إطلاق الاسم عليه شاهدًا قيامُ العلم به، فكذلك غائبًا، وعلَّةُ٢ كونه عالمًا شاهدًا قيامُ العلم به، فكذلكَ غائبًا.
فكيف تُنكِرون هنا قياسَ الغائب على الشاهد، وتحتجُّون به في مواضع أخرى؟! وأيُّ تناقضٍ أكثر من هذا؟!
فإن كان قياسُ الغائب على الشاهد باطلًا بَطَل احتجاجُكم علينا به في هذه المواضع، وإن كان صحيحًا بَطَل ردُّكم في هذا الموضع، فأمَّا أن يكون صحيحًا إذا استدللتم به، باطلًا إذا استدلَّ به خصومكم، فهذا أقبحُ التَّطفيف، وقبحُه ثابتٌ بالعقل والشرع٣.
(١) (ق): «علم». وهو تحريف.
(٢) في الأصول: «وعليه». وهو تحريف.
(٣) الاستدلال بقياس الشاهد على الغائب مسلك متقدمي الأشاعرة، وضعَّفه بعض متأخريهم، كالجويني في «البرهان» (١/ ١٢٧، ١٢٩)، والآمدي في «غاية المرام» (٤٥). وانظر: «شرح المقاصد» (٢/ ٧٣)، و«المواقف» (٣/ ٦٧، ٦٩).
الوجه الخامس والثَّلاثون: قولكم: «إنَّ الله خلَّى بين العباد وظُلم بعضهم بعضًا، وأنَّ ذلك ليس بقبيحٍ منه، فإنه قبيحٌ منَّا»١.
فذلك فاسدٌ على أصل التكليف؛ فإنَّ التكليفَ إنما يتمُّ بإعطاء القدرة والاختيار، والله تعالى قد أقدَرَ عبادَه على الطَّاعات والمعاصي، والصَّلاح والفساد، وهذا الإقدارُ هو مناطُ الشرع والأمر والنهي، فلولاه لم يكن شرعٌ ولا رسالة، ولا ثوابٌ ولا عقاب، وكان النَّاسُ بمنزلة الجمادات والأشجار والنَّبات.
فلو حالَ سبحانه بين العباد وبين القدرة على المعاصي لارتفع الشرعُ والرِّسالةُ والتكليف، وانتفت فوائدُ البعثة، ولَزِم من ذلك لوازمُ لا يحبُّها الله، وتعطَّلت به غاياتٌ محمودةٌ محبوبةٌ لله وهي ملزومةٌ لإقدار العباد وتمكينهم من الطَّاعة والمعصية، ووجودُ الملزوم بدون اللازم محال، وقد نبَّهنا على شيءٍ يسيرٍ من الحِكَم المطلوبة والغايات المحمودة فيما سَلَف من هذا الفصل وفي أوَّل الكتاب٢.
فلو أنَّ الربَّ تعالى خلق خلقَه ممنوعين من المعاصي غيرَ قادرين عليها بوجهٍ٣ لم يكن لإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهي والثَّواب والعقاب سببٌ يقتضيه، ولا حكمةٌ تستدعيه، وفي ذلك تعطيلُ الأمر جملة، بل تعطيلُ المُلك والحمد، والربُّ تعالى له الخلقُ والأمر، وله الملكُ والحمد.