مفتاح دار السعادة

والغاياتُ المطلوبةُ والعواقبُ المحمودةُ التي لأجلها أنزَل كتبَه، وأرسل رسلَه، وشرع شرائعَه، وخلَق الجنةَ والنَّار، ووضعَ الثَّوابَ والعقاب، لا تحصُل١ إلا بإقدار العبادِ على الخير والشرِّ، وتمكينهم من ذلك، وإعطائهم٢ الأسبابَ والآلات التي يتمكَّنون بها مِنْ فعل هذا وهذا.

فلهذا حَسُنَ منه ﵎ التَّخلِيةُ بين عباده وبين ما هم فاعِلُوه، وقَبُحَ من أحدنا أن يخلِّيَ بين عبيده وبين الإفساد وهو قادرٌ على منعهم، هذا مع أنه سبحانه لم يخلِّ بينهم، بل مَنَعَهم منه، وحرَّمه عليهم، ونَصَبَ لهم العقوبات الدُّنيوية والأخروية على القبائح، وأحلَّ بهم مِنْ بأسه وعذابه وانتقامه٣ ما لا يفعلُه السيِّدُ من المخلوقين بعبيده ليمنعَهم ويزجُرهم.

فقولكم: «إنه خلَّى بين عباده وبين إفساد بعضهم بعضًا وظُلم بعضهم بعضًا» كذبٌ عليه، فإنه لم يخلِّ بينهم شرعًا ولا قَدَرًا، بل حالَ بينهم وبين ذلك شرعًا أتمَّ حَيْلُولة، ومَنَعَهم قَدَرًا بحسب ما تقتضيه حكمتُه الباهرةُ وعلمُه المحيط، وخلَّى بينهم وبين ذلك بحسب ما تقتضيه حكمتُه وشرعُه ودينُه.

فمنعُه سبحانه لهم وحيلولتُه بينهم وبين الشرِّ أعظمُ من تخلِيَته، والقَدْرُ الذي خلَّاه بينهم في ذلك هو ملزومُ أمره وشرعه ودينه؛ فالذي فعَله في الطَّرفين غايةُ الحكمة والمصلحة، ولا نهاية فوقه لاقتراح عقل.

  1. (١) مهملة في (د)، وفي طرتها: «لعله: وذلك». (ق): «وذلك لا يحصل». وهو خطأ، سببه توهُّم أن قوله: «والغايات المطلوبة» معطوفٌ على «الملك والحمد».
  2. (٢) (ق): «فأعطاهم».
  3. (٣) (ت): «وعقابه».
1056

ولو خلَّى بينهم ــ كما زعمتم ــ لكانوا بمنزلة الأنعام السَّائمة، بل لو تركهم ودواعي طباعهم لأهلَك بعضُهم بعضًا، ولخَرِبَ العالمُ ومن عليه، بل ألجمهم لجامَ العجز والمنع من كلِّ ما يريدون، فلو أنه خلَّى بينهم وبين ما يريدون لفسَدت الخليقة، كما ألجمهم بلجام الشرع والأمر، ولو منَعهم جملةً ولم يمكِّنهم ولم يُقْدِرهم لتعطَّل الأمرُ والشرعُ جملة، وانتفت١ حكمةُ البعثة والإرسال والثَّواب والعقاب.

فأيُّ حكمةٍ فوق هذه الحكمة؟! وأيُّ أمرٍ أحسنُ مما فعله بهم؟!

ولو أعطى النَّاسُ هذا المقام بعض حقِّه لعلموا أنه مقتضى الحكمة البالغة، والقدرة التَّامَّة، والعلم المحيط، وأنه غايةُ الحكمة.

ومن فُتِحَ له بفهمٍ في القرآن رآه من أوَّله إلى آخره، ينبِّه العقولَ على هذا، ويرشدُها إليه، ويدلُّها عليه، وأنه يتعالى ويتنزَّه أن يكون هذا منه عبثًا، أو سُدًى، أو باطلًا، أو بغير الحقِّ، أو لا لمعنًى ولا لداعٍ وباعث، وأنَّ مصدَر ذاك جميعه عن عزَّته وحكمته.

ولهذا كثيرًا ما يَقْرِنُ تعالى بين هذين الاسمين (العزيز الحكيم) في آيات التَّشريع والتكوين والجزاء؛ ليَدُلَّ عبادَه على أنَّ مصدَر ذلك كلِّه عن حكمةٍ بالغة، وعزَّةٍ قاهرة٢.

  1. (١) (ت): «فانتفت».
  2. (٢) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٣٦)، و«طريق الهجرتين» (٢٣٠).
    كما يقرن سبحانه بين الاسمين (العليم الحكيم) عند ذكر مصدر خلقه وشرعه. انظر: «شفاء العليل» (٥٦١)، و«التبوكية» (٧٩).
1057

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي