مفتاح دار السعادة

ودَيْنٍ واجبٍ لهم يستحقُّونه عليه، ويعاقبُهم عدلًا وحكمة، لا تشفِّيًا ولا مخافةً ولا ظلمًا كما يعاقبُ الملوكُ وغيرُهم، بل هو على الصِّراط المستقيم، وهو صراطُ العدل والإحسان في أمره ونهيه وثوابه وعقابه.

فتأمَّل ألفاظ هذه الآية، وما جمعَته من عموم القدرة وكمال المُلك، ومن تمام الحكمة والعدل والإحسان، وما تضمَّنته من الرَّدِّ على الطَّائفتين، فإنها من كنوز القرآن، ولقد كَفَت وشَفَت لمن فُتِحَ عليه بفهمها١.

فكونُه تعالى على صراطٍ مستقيمٍ ينفي ظلمَه للعباد وتكليفَه إياهم ما لا يطيقون، وينفي العبثَ٢ من أفعاله وشرعه، ويُثْبِتُ لها غايةَ الحكمة والسَّداد؛ ردًّا على منكري ذلك.

وكونُ كلِّ دابَّةٍ تحت قبضته وقدرته، وهو آخذٌ بناصيتها، ينفي أن يقعَ في مُلكه من أحدٍ من المخلوقات شيءٌ بغير مشيئته وقدرته، وأنَّ من ناصيتُه بيد الله وفي قبضته لا يمكِنُه أن يتحرَّك إلا بتحريكِه، ولا يفعل إلا بإقدارِه، ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى؛ ردًّا على مُنكري ذلكَ من القدريَّة.

فالطَّائفتان ما وفَّوا الآيةَ معناها، ولا قَدَرُوها حقَّ قَدْرها، فهو سبحانه على صراطٍ مستقيمٍ في عطائه ومنعه، وهدايته وإضلاله، وفي نفعه وضرِّه، وعافيته وبلائه، وإغنائه وإفقاره، وإعزازه وإذلاله، وإنعامه وانتقامه، وثوابه وعقابه، وإحيائه وإماتته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، وفي كلِّ ما يخلُق وكلِّ ما يأمرُ به.

  1. (١) (ت): «تفهمها».
  2. (٢) مهملة في (د). (ت، ق): «العيب». وهو تحريف. فالعبث تقابله الحكمة، والعيب يقابله الكمال. ويأتي كثيرًا في كتب المصنف.
1059

وهذه المعرفةُ بالله لا تكونُ إلا للأنبياء ولورثتهم.

ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، فالمثلُ الأوَّلُ للصَّنم وعابديه، والمثلُ الثَّاني ضربه الله تعالى لنفسه، وأنه يأمرُ بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم، فكيف يُسَوَّى بينه وبين الصَّنم الذي له مثلُ السَّوء؟!

فما فَعَله الرَّبُّ ﵎ مع عباده هو غايةُ الحكمة والإحسان والعدل، في إقدارهم وإعطائهم ومنعِهم وأمرهم ونهيهم.

فدعوى المدَّعي أنَّ هذا نظيرُ تخلِيَة السيِّد بين عبيده وإمائه يفجُر بعضُهم ببعض، ويسبي بعضهم بعضًا، أكذبُ دعوى وأبطلُها، والفرقُ بينهما أظهرُ وأعظمُ من أن يُحتاج إلى ذكره والتَّنبيه عليه.

والحمدُ لله الغنيِّ الحميد؛ فغناهُ التَّامُّ فارقٌ، وحَمْدُه ومُلْكُه١، وعزَّتُه وحكمتُه، وعلمُه وإحسانُه، وعدلُه ودينُه، وشرعُه وحكمُه، وكرمُه ومحبتُه للمغفرة والعفو عن الجناة، والصَّفح عن المسيئين، وتوبةِ التَّائبين، وصبر الصَّابرين، وشُكر الشاكرين، الذين يؤثِرُونه على غيره، ويتطلَّبون مَراضيه، ويعبدونه وحده، ويسيرون في عبيده بسِيرة العدل والإحسان والنَّصائح، ويجاهدون أعداءه، فيبذُلون دماءهم وأموالهم في محبَّته ومرضاته، فيتميَّز الخبيثُ من الطَّيب، ووليُّه من عدوِّه، ويخرجُ طيِّبات هؤلاء وخبائث أولئك إلى الخارج، فيترتَّبُ عليها آثارُها المحبوبةُ للربِّ تعالى من الثَّواب والعقاب، والحمد لأوليائه، والذمِّ لأعدائه.

  1. (١) أي: وكذا حمدُه وملكُه فارقٌ بين فعل الله تعالى وفعل السيِّد في المثل المتقدم.
1060

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي