مفتاح دار السعادة

ألم القتل إلا كمسِّ القَرْصَة.

ومن لم يَمُتْ بالسَّيف ماتَ بغيرهتنوَّعت الأسبابُ والداءُ واحدُ١

فليس إماتةُ أوليائه شهداءَ بيد أعدائه إهانةً لهم ولا غضبًا عليهم، بل كرامةً ورحمةً وإحسانًا ولطفًا، وكذلك الغَرَقُ والحَرَقُ والهَدْمُ والتَّردِّي٢ والبَطْنُ وغيرُ ذلك، والمخلوقُ ليس بهذه المثابة، فلهذا قَبُحَ منه الإغراقُ والإهلاكُ وحَسُنَ من اللطيف الخبير.

الوجه السابع والثَّلاثون: قولكم: «إذا كان لله في إغراقه وإهلاكه سبحانه حكمةٌ وسِرٌّ لا نطَّلعُ عليه نحن، فقدِّروا مثلَه في ترك إنقاذنا الغرقى»٣ كلامٌ تغني رِكَّتُه وفسادُه عن تكلُّف ردِّه.

وهل يجوزُ أن يقال: إذا كان لله الحكمةُ البالغةُ والأسرارُ العظيمةُ في إهلاك من يهلكه وابتلاء من يبتليه، ولهذا حَسُنَ منه ذلك= فيَلْزَمُ من هذا أن يقال: يجوزُ أن يكون في تركنا إنجاءَ الغرقى ونصرَ المظلوم وسَدَّ الخَلَّة وسترَ العورة حِكَمًا وأسرارًا لا يعلمها العقلاء؟!

والمُناكَدةُ في البُحوث إذا وصلت إلى هذا الحدِّ سَمُجَت وثَقُلَت على النُّفوس ومجَّتها القلوبُ والأسماع.

  1. (١) البيت لابن نُباتة السعدي (ت: ٤٠٥)، في ديوانه (٢١٧)، وترجمته من «وفيات الأعيان» (٣/ ١٩٣)، و«السير» (١٧/ ٢٣٤)، وغيرها.
  2. (٢) ورد في حديثٍ شديد الضعف عند الطبراني (١٨/ ٨٧)، وأبي نعيم في «معرفة الصحابة» (٥٥٧٣) أن المتردِّي شهيد. ووردت الأخبار بشهادة الباقين من وجوهٍ صحاح. والبطن: داء البطن.
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٨٣).
1063

الوجه الثامن والثَّلاثون: قولكم: «الفعلان من حيث الصِّفات النفسيَّة واحدٌ، فكيف يقبُح أحدُهما من فاعلٍ ويحسُن الآخر من فاعل»١.

فيقال: هذا في البطلان والفساد مِنْ جنس ما قبله وأبطَلُ، وهو بمنزلة أن يقال: القتلُ من المعتدي ومن المُقْتَصِّ من حيث الصفات النفسيَّة واحدٌ، فكيف يقبُح أحدُهما ويحسُن الآخر؟!٢، وبمنزلة أن يقال: السُّجودُ لله والسُّجودُ للصَّنم واحدٌ من حيث الصِّفات النفسيَّة، فكيف يقبُح أحدُهما ويحسُن الآخر؟! وهل في الباطل أبطَلُ من هذا الوهم؟!

فما جعَل الله ذلك واحدًا أصلًا، وليس إماتةُ الله لعبده مثلَ قتل المخلوق له، ولا إجاعتُه وإعراؤه وابتلاؤه مساويًا في الصِّفات النفسيَّة لفعل المخلوق بالمخلوق ذلك، ودعوى التَّساوي كذبٌ وباطل، فلا أعظمَ من التَّفاوت بينهما، وهل يستوي عند العقل والفطرة فعلُ الله وفعلُ المخلوق؟!

فيا لله العَجب! إن تناولهما اسمُ الفعل المشترك صارا سواءً في الصِّفات النفسيَّة، أترى٣ حصل لهما هذا التَّساوي من جهة الفعلَيْن، والذي أوجبَ هذا الخيال الفاسد اتحادُ المحلِّ وتعلُّق الفعلَيْن به، وهل يدلُّ هذا على استواء الفعلَيْن في الصِّفات النفسيَّة؟!

ولقد وَهَتْ أركانُ مسألةٍ بُنِيَت على هذا الشَّفا، فإنه شَفَا جُرُفٍ هار، والله المستعان.

  1. (١) انظر: (ص: ٩٨٣).
  2. (٢) من قوله: «فيقال ...» إلى هنا ساقط من (ق).
  3. (٣) غير محررة في (د)، رسمها ابن بردس رسمًا على عادته في المشكلات.
1064

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي