الوجه الثامن والثَّلاثون: قولكم: «الفعلان من حيث الصِّفات النفسيَّة واحدٌ، فكيف يقبُح أحدُهما من فاعلٍ ويحسُن الآخر من فاعل»١.
فيقال: هذا في البطلان والفساد مِنْ جنس ما قبله وأبطَلُ، وهو بمنزلة أن يقال: القتلُ من المعتدي ومن المُقْتَصِّ من حيث الصفات النفسيَّة واحدٌ، فكيف يقبُح أحدُهما ويحسُن الآخر؟!٢، وبمنزلة أن يقال: السُّجودُ لله والسُّجودُ للصَّنم واحدٌ من حيث الصِّفات النفسيَّة، فكيف يقبُح أحدُهما ويحسُن الآخر؟! وهل في الباطل أبطَلُ من هذا الوهم؟!
فما جعَل الله ذلك واحدًا أصلًا، وليس إماتةُ الله لعبده مثلَ قتل المخلوق له، ولا إجاعتُه وإعراؤه وابتلاؤه مساويًا في الصِّفات النفسيَّة لفعل المخلوق بالمخلوق ذلك، ودعوى التَّساوي كذبٌ وباطل، فلا أعظمَ من التَّفاوت بينهما، وهل يستوي عند العقل والفطرة فعلُ الله وفعلُ المخلوق؟!
فيا لله العَجب! إن تناولهما اسمُ الفعل المشترك صارا سواءً في الصِّفات النفسيَّة، أترى٣ حصل لهما هذا التَّساوي من جهة الفعلَيْن، والذي أوجبَ هذا الخيال الفاسد اتحادُ المحلِّ وتعلُّق الفعلَيْن به، وهل يدلُّ هذا على استواء الفعلَيْن في الصِّفات النفسيَّة؟!
ولقد وَهَتْ أركانُ مسألةٍ بُنِيَت على هذا الشَّفا، فإنه شَفَا جُرُفٍ هار، والله المستعان.
(١) انظر: (ص: ٩٨٣).
(٢) من قوله: «فيقال ...» إلى هنا ساقط من (ق).
(٣) غير محررة في (د)، رسمها ابن بردس رسمًا على عادته في المشكلات.
الوجه التاسع والثلاثون: قولكم: «مَواجِبُ العقول في أصل التكليف متعارضةُ الأصول»١.
فيقال: معاذَ الله من تعارضها٢، بل هي متفقةُ الأصول، مستقرٌّ حُسْنُها في العقول والفِطر، مركوزٌ ذلك فيها، فما شَرَع اللهُ شيئًا فقال العقلُ السَّليم: ليته شرع خلافَه. بل هي متعارضةٌ بين العقل والهوى، فالعقلُ يقتضي حُسْنَها ويدعو إليها، ويأمرُ بمتابعتها جملةً في بعضها وجملةً وتفصيلًا في بعض، والهوى والشهوةُ قد يدعوان غالبًا إلى خلافها.
فالتعارضُ واقعٌ بين مَواجِب العقول ومَواجِب الهوى، وما جعل الله في العقل ولا في الفطرة استقباحَ ما أمَر به، ولا استحسانَ ما نهى عنه، وإن مال الهوى إلى خلاف أمره ونهيه فالعقلُ حينئذٍ يكونُ مأسورًا٣ مع الهوى، مقهورًا في قبضته، وتحت سلطانه.
الوجه الأربعون: قولكم: «نطالبكم بإظهار وجه الحُسن في أصل التكليف والإيجاب عقلًا وشرعًا»٤.
فيقال: يا لله العجب! أيحتاجُ أمرُ الله تعالى لعباده بما فيه غايةُ صلاحهم وسعادتهم في معاشهم ومعادهم، ونهيُه لهم عمَّا فيه هلاكهم وشقاؤهم في
(١) «نهاية الأقدام» (٣٨٤). وتحرَّف النص في الأصول إلى: «فواجب العقول في أصل التكليف معارضة الأصول».
(٢) (ت): «معارضتها». (ق، د): «تعارضهما». وهو تحريف.