مفتاح دار السعادة

معاشهم ومعادهم، إلى المطالبة بحُسْنه؟! ثمَّ لا يُقتَصرُ على المطالبة بحُسْنه عقلًا حتى يُطالَب بحُسْنه عقلًا وشرعًا!

فأيُّ حُسْنٍ لم يأمر الله به ويستحبَّه١ لعباده ويندُبهم إليه؟! وأيُّ حُسْنٍ فوق حُسْن ما أمَر به وشرعَه؟! وأيُّ قبيحٍ لم يَنْهَ عنه ولم يزجُر عبادَه عن ارتكابه؟! وأيُّ قُبحٍ فوق قُبح ما نهى عنه؟!

وهل في العقل دليلٌ أوضحُ من علمه بحُسْن ما أمر الله به من الإيمان والإسلام والإحسان، وتفاصيلها: من العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القُربى، وأنواع البرِّ والتقوى، وكلِّ معروفٍ تشهَدُ الفِطرُ والعقولُ به: من عبادته وحده لا شريك له على أكمل الوجوه وأتمِّها، والإحسان إلى خلقِه بحسب الإمكان؟!

فليس في العقل مقدِّماتٌ هي أوضحُ من هذا المستدَلِّ عليه فيُجْعَل دليلًا له.

وكذلك ليس في العقل دليلٌ أوضحُ مِنْ قُبح ما نهى عنه من الفواحش ما ظهَر منها وما بطَن، والإثم والبغي بغير الحقِّ، والشِّرك بالله ــ بأن يُجْعَل له عَدِيلٌ من خلقِه فيُعْبَد كما يُعْبَد، ويُحَبَّ كما يُحَبُّ، ويُعَظَّمَ كما يُعَظَّم ــ، ومن الكذب على الله وعلى أنبيائه وعباده المؤمنين، الذي فيه خرابُ العالَم وفسادُ الوجود.

فأيُّ عقلٍ لم يُدْرِك حُسْنَ ذاك وقُبحَ هذا فأحرى أن لا يُدْرِك الدَّليل على ذلك!

  1. (١) (ت): «ويستحسنه».
1066
وليس يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌإذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ١

فما أبقى اللهُ ﷿ حَسَنًا إلا أمَر به وشرَعه، ولا قبيحًا إلا نهى عنه وحذَّر منه.

ثمَّ إنه سبحانه أودَع في الفِطر والعقول الإقرارَ بذلك، فأقام عليها الحجَّةَ من الوجهين، ولكن اقتضت رحمتُه وحكمتُه أن لا يعذِّبها إلا بعد إقامتها عليها برسله، وإن كانت قائمةً عليها بما أودَع فيها واستشهَدها عليه من الإقرار به وبوحدانيَّته واستحقاقه الشُّكرَ من عباده - بحسب طاقتهم ــ على نِعَمه، وبما نَصَبَ عليها من الأدلَّة المتنوِّعة المستلزمة إقرارَها بحُسْن الحسن وقُبح القبيح.

الوجه الحادي والأربعون: أنَّا نذكر لكم وجهًا من الوجوه الدَّالَّة على وجه الحُسْن في أصل التكليف والإيجاب، فنقول: لا ريب أنَّ إلزامَ النَّاس شريعةً يأتمرون بأوامرها التي فيها صلاحُهم، وينتهون عن مناهيها التي فيها فسادُهم أحسنُ عند كلِّ عاقلٍ من تركهم همَلًا كالأنعام، لا يَعْرِفُون معروفًا ولا يُنكِرون منكرًا، وينزُو بعضهم على بعضٍ نَزْوَ الكلاب والحُمُر، ويَعْدُو بعضهم على بعضٍ عَدْوَ السِّباع والكلاب والذِّئاب، ويأكلُ قويُّهم ضعيفَهم، ولا يعرفون الله، ولا يعبدونه، ولا يذكرونه، ولا يشكرونه، ولا يمجِّدونه٢، ولا يَدِينُون بدين، بل هم من جنس الأنعام السَّائمة.

ومن كابرَ عقلَه في هذا سَقَط الكلامُ معه، ونادى على نفسه بغاية

  1. (١) البيت للمتنبي في ديوانه (٣٣٤)، وروايته: «الأفهام»، وفي نسخة: «الأوهام».
  2. (٢) (ت): «يحمدونه».
1067

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي