مفتاح دار السعادة
وليس يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌإذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ١

فما أبقى اللهُ ﷿ حَسَنًا إلا أمَر به وشرَعه، ولا قبيحًا إلا نهى عنه وحذَّر منه.

ثمَّ إنه سبحانه أودَع في الفِطر والعقول الإقرارَ بذلك، فأقام عليها الحجَّةَ من الوجهين، ولكن اقتضت رحمتُه وحكمتُه أن لا يعذِّبها إلا بعد إقامتها عليها برسله، وإن كانت قائمةً عليها بما أودَع فيها واستشهَدها عليه من الإقرار به وبوحدانيَّته واستحقاقه الشُّكرَ من عباده - بحسب طاقتهم ــ على نِعَمه، وبما نَصَبَ عليها من الأدلَّة المتنوِّعة المستلزمة إقرارَها بحُسْن الحسن وقُبح القبيح.

الوجه الحادي والأربعون: أنَّا نذكر لكم وجهًا من الوجوه الدَّالَّة على وجه الحُسْن في أصل التكليف والإيجاب، فنقول: لا ريب أنَّ إلزامَ النَّاس شريعةً يأتمرون بأوامرها التي فيها صلاحُهم، وينتهون عن مناهيها التي فيها فسادُهم أحسنُ عند كلِّ عاقلٍ من تركهم همَلًا كالأنعام، لا يَعْرِفُون معروفًا ولا يُنكِرون منكرًا، وينزُو بعضهم على بعضٍ نَزْوَ الكلاب والحُمُر، ويَعْدُو بعضهم على بعضٍ عَدْوَ السِّباع والكلاب والذِّئاب، ويأكلُ قويُّهم ضعيفَهم، ولا يعرفون الله، ولا يعبدونه، ولا يذكرونه، ولا يشكرونه، ولا يمجِّدونه٢، ولا يَدِينُون بدين، بل هم من جنس الأنعام السَّائمة.

ومن كابرَ عقلَه في هذا سَقَط الكلامُ معه، ونادى على نفسه بغاية

  1. (١) البيت للمتنبي في ديوانه (٣٣٤)، وروايته: «الأفهام»، وفي نسخة: «الأوهام».
  2. (٢) (ت): «يحمدونه».
1067

الوَقاحة ومفارقة الإنسانيَّة.

وما نظيرُ مطالبتكم هذه إلا مطالبةُ من يقول: نحن نطالبكم بإظهار وجه المنفعة في خَلق الماء والهواء والرِّياح والتُّراب، وخَلق الأقوات والفواكه والأنعام، بل في خَلق الأسماع والأبصار والألسن والقُوى والأعضاء التي في العبد؛ فإنَّ هذه أسبابٌ ووسائلُ ووسائط، وأمَّا أمرُه وشرعُه ودينُه فكمالُه غايةٌ وسعادةٌ في المعاش والمعاد، ولا ريب عند العقلاء أنَّ وجهَ الحُسْن فيه أعظمُ من وجه الحُسْن في الأمور الحِسِّيَّة، وإن كان الحِسُّ١ هو الغالب على النَّاس، وإنما غايةُ أكثرهم إدراكُ الحُسْن والمنفعة في الحِسِّيَّات، وتقديمُها وإيثارُها على مدارك العقول والبصائر؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٦ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧].

ولو ذهبنا نذكر وجوهَ المحاسن المُودَعة في الشريعة لزادت على الألوف، ولعلَّ الله أن يُساعدَ بمُصَنَّفٍ في ذلك٢، مع أنَّ هذه المسألة بابُه وقاعدتُه التي عليها بناؤه.

الوجه الثاني والأربعون: قولكم: «إنه سبحانه لا يتضرَّرُ بمعصية العبد، ولا ينتفعُ بطاعته، ولا تتوقَّفُ قدرتُه في الإحسان على فعلٍ يصدُر من العبد، بل كما أنعَم عليه ابتداءً فهو قادرٌ على أن ينعمَ عليه بلا توسُّطِ عمل»٣.

  1. (١) (ت): «الحسن». وهو تحريف.
  2. (٢) لعله لم يتيسر له، إذ لم أر له ذكرًا عند مترجميه. وانظر: «بدائع الفوائد» (٦٧٠)، و«ابن القيم» للشيخ بكر (٢٩٥).
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٨٣).
1068

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي