مفتاح دار السعادة

أحدهما: أن يكلِّفهم؛ فيأمرَ وينهى حتى يطاع ويُعصى، ثمَّ يثيبهم ويعاقبهم.

الثَّاني: أن لا يكلِّفهم؛ إذ لا يتزيَّنُ منهم بطاعة، ولا تَشِينُه معصيتُهم.

وإذا تعارض في المعقول١ هذان الأمران، فكيف يهتدي العقلُ إلى اختيار أحدهما حقًّا؟! فكيف يعرِّفنا الوجوبَ على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطَّاعة، وعلى الرَّبِّ تعالى بالثَّواب؟!»٢.

فيقال لكم: لم يتعارض بحمد الله الأمران؛ لأنَّ أحدَهما قد عُلِمَ قبحُه في المعقول، والآخرَ قد عُلِمَ حسنُه في المعقول، فكيف يتعارض في العقل جواز الأمرين، وأن تكون نسبتُهما إلى الرَّبِّ تعالى نسبةً واحدة؟! وإنما تتعارض الجائزاتُ على حدٍّ٣ سواء، بحيث لا يترجَّحُ بعضها على بعض، فأمَّا الحُسْن والقُبح فلم يتعارض في العقل قطُّ استواؤهما.

وقد قرَّرنا بما لا مَدْفَع له قُبحَ التَّرك سُدًى بمنزلة الأنعام السَّائمة، وحُسْنَ الأمر والنهي واستصلاحهم في معاشهم ومعادهم، فكيف يقال: إنَّ هذين الأمرين سواءٌ في العقل بحيث يتعارضا فيه ويقضي باستوائهما بالنسبة إلى أحكم الحاكمين؟!

فإن قيل: إنما تعارضا في المقدُوريَّة؛ إذ نسبةُ القدرة إليهما واحدة.

قلنا: قد تقدَّم أنه لا يلزمُ من كون الشيء مقدورًا أن لا يكون ممتنعًا

  1. (١) في الموضع الماضي (ص: ٩٨٤)، والآتي (ص: ١٠٩٢): «العقول».
  2. (٢) انظر: (ص: ٩٨٤).
  3. (٣) في الأصول: «كل». وهو تحريف.
1075

لمنافاته الحكمة؛ وقد بيَّنَّا ذلك قريبًا١، فيكون تركُهم همَلًا وسُدًى مقدورًا للرَّبِّ تعالى لا يقتضي معارضته لمقدوره الآخَر مِنْ تكليفهم وأمرهم ونهيهم.

الوجه السابع والأربعون: قولكم: «إذ لا يتزيَّنُ منهم بطاعةٍ ولا تَشِينُه معصيتُهم».

قلنا: ومن الذي نازع في هذا؟! ولكنَّ حُسْنَ التكليف لا ينفي ذلك عن الرَّبِّ تعالى، وأنه إنما يكلِّفهم تكليفَ من لا يبلغوا ضرَّه فيضرُّوه ولا يبلغوا٢ نفعَه فينفعوه، وأنهم لو كانوا كلُّهم على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منهم ما نقَص ذلك من ملكه شيئًا.

وهاهنا اختلفت الطُّرقُ بالنَّاس في علَّة التكليف وحكمته، مع كونه سبحانه لا ينتفِعُ بطاعتهم، ولا تضرُّه معصيتُهم:

* فسلكت الجبريَّة مسلكها المعروف، وأنَّ ذلك صادرٌ عن محض المشيئة وصِرْف الإرادة، وأنه لا علَّة له ولا ما يحثُّ عليه سوى محض الإرادة.

* وسلكت القَدَرِيَّة مسلكها المعروف، وهو أنَّ ذلك استئجارٌ منه لعبيده، لينالوا أجرَهم بالعمل، فيكون ألذَّ من اقتضائهم الثَّوابَ بلا عمل، لما فيه من تكدير المِنَّة.

  1. (١) (ص: ١٠٧٠).
  2. (٢) كذا في الأصول، بحذف النون.
1076

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي