مفتاح دار السعادة

ولم يحمدوه ولم يَأْلَهوه، فهو الله الذي لا إله إلا هو قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم وبعد أن يفنيهم، لم يَسْتَحْدِث بخلقه لهم ولا بأمره إياهم استحقاقَ الإلهية والحمد، بل إلهيتُه وحمدُه ومجدُه وغِناه أوصافٌ ذاتيةٌ له يستحيلُ مفارقتُها له، كحياته١ ووجوده وقدرته وعلمه وسائر صفات كماله.

فأولياؤه وخاصَّتُه وحِزبُه لمَّا شَهِدت عقولهم وفِطرُهم أنه أهلٌ أن يُعْبَد وإن لم يرسِل إليهم رسولًا ولم ينزِّل عليهم كتابًا، ولو لم يخلُق جنةً ولا نارًا= علموا أنه لا شيء في العقول والفِطر أحسن من عبادته، ولا أقبح من الإعراض عنه.

وجاءت الرُّسلُ وأنزلت الكتبُ بتقرير ما استَودع سبحانه في الفِطر والعقول من ذلك، وتكميله، وتفصيله٢، وزيادته حُسْنًا إلى حُسْنِه.

فاتفقت شريعتُه وفطرتُه، وتطابقَا وتوافقَا، وظهر أنهما من مشكاةٍ واحدة.

فعبدُوه وأحبُّوه ومجَّدوه وحمدُوه بداعي الفطرة وداعي الشرع وداعي العقل، فاجتمعَت لهم الدَّواعي ونادتهم من كلِّ جهة، ودَعَتهم إلى وليِّهم وإلههم وفاطرهم، فأقبلوا إليه بقلوبٍ سليمةٍ لم يعارِض خبَره عندها شبهةٌ توجبُ ريبًا وشكًّا، ولا أمرَه شهوةٌ توجبُ رغبتَها عنه وإيثارَها سواه.

فأجابوا دواعي المحبة والطَّاعة إذ نادت بهم: حيَّ على الفلاح، وبذلوا أنفسَهم في مرضاة مولاهم الحقِّ بَذْلَ أخي السَّماح، وحَمِدُوا عند الوصول

  1. (١) (ق، ت): «لحياته». تحريف.
  2. (٢) (د، ق): «وتفضيله»، بالمعجمة. وهو تحريف.
1080

إليه مَسْراهم، وإنما يَحْمَدُ القومُ السُّرى عند الصَّباح، فدينُهم دينُ الحبِّ، وهو الدِّينُ الذي لا إكراه فيه، وسَيرُهم سَيرُ المحبِّين، وهو السَّيرُ الذي لا وقفةَ تعتريه.

إني أدِينُ بدين الحُبِّ ويحَكمُفذاك ديني ولا إكراه في الدِّينِ
ومن يكن دينُه كُرهًا فليس لهإلا العنَاءُ وإلا السَّيرُ في الطِّينِ
وما استوى سَيرُ عبد في محبتهوسَيرُ خالٍ من الأشواقِ في دينِ
فقُل لغير أخي الأشواق ويحكَ قدغُبِنتَ حظَّكَ١ لا تَغتَرَّ بالدُّونِ
نجائبُ الحُبِّ تعلُو بالمحبِّ إلىأعلى المراتبِ مِن فوقِ السَّلاطينِ
وأطيبُ العيشِ في الدَّارينِ قد رَغِبَتعنه التِّجَارُ فباعت بَيْعَ مغبونِ
فإن تُرِد علمَه فاقرأهُ ويحكَ فيآياتِ طهَ وفي آياتِ ياسينِ٢

ولا ريب أنَّ كمال العبوديَّة تابعٌ لكمال المحبة، وكمال المحبة تابعٌ لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمالُ المطلقُ التَّامُّ من كلِّ وجه، الذي لا يعتريه توهُّمُ نقصٍ أصلًا٣، ومَن هذا شأنُه فإنَّ القلوبَ لا يكونُ شيءٌ أحبَّ إليها منه ما دامت فِطرُها وعقولها سليمة، وإذا كان٤ أحبَّ الأشياء إليها فلا محالة أنَّ محبتَه توجبُ عبوديتَه وطاعتَه، وتتبُّعَ مرضاته، واستفراغ الجهد في التعبُّد له والإنابة إليه.

  1. (١) (ت): «حقك».
  2. (٢) البيت الأول لابن رَشِيق، في «الحماسة المغربية» (١٠٤٠). وتتمة الأبيات أظنُّها من نسج المصنف.
  3. (٣) (ت): «لا يعتريه توهم ولا نقص أصلا».
  4. (٤) في الأصول: «كانت». وهو تحريف.
1081

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي