مفتاح دار السعادة

إليه مَسْراهم، وإنما يَحْمَدُ القومُ السُّرى عند الصَّباح، فدينُهم دينُ الحبِّ، وهو الدِّينُ الذي لا إكراه فيه، وسَيرُهم سَيرُ المحبِّين، وهو السَّيرُ الذي لا وقفةَ تعتريه.

إني أدِينُ بدين الحُبِّ ويحَكمُفذاك ديني ولا إكراه في الدِّينِ
ومن يكن دينُه كُرهًا فليس لهإلا العنَاءُ وإلا السَّيرُ في الطِّينِ
وما استوى سَيرُ عبد في محبتهوسَيرُ خالٍ من الأشواقِ في دينِ
فقُل لغير أخي الأشواق ويحكَ قدغُبِنتَ حظَّكَ١ لا تَغتَرَّ بالدُّونِ
نجائبُ الحُبِّ تعلُو بالمحبِّ إلىأعلى المراتبِ مِن فوقِ السَّلاطينِ
وأطيبُ العيشِ في الدَّارينِ قد رَغِبَتعنه التِّجَارُ فباعت بَيْعَ مغبونِ
فإن تُرِد علمَه فاقرأهُ ويحكَ فيآياتِ طهَ وفي آياتِ ياسينِ٢

ولا ريب أنَّ كمال العبوديَّة تابعٌ لكمال المحبة، وكمال المحبة تابعٌ لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمالُ المطلقُ التَّامُّ من كلِّ وجه، الذي لا يعتريه توهُّمُ نقصٍ أصلًا٣، ومَن هذا شأنُه فإنَّ القلوبَ لا يكونُ شيءٌ أحبَّ إليها منه ما دامت فِطرُها وعقولها سليمة، وإذا كان٤ أحبَّ الأشياء إليها فلا محالة أنَّ محبتَه توجبُ عبوديتَه وطاعتَه، وتتبُّعَ مرضاته، واستفراغ الجهد في التعبُّد له والإنابة إليه.

  1. (١) (ت): «حقك».
  2. (٢) البيت الأول لابن رَشِيق، في «الحماسة المغربية» (١٠٤٠). وتتمة الأبيات أظنُّها من نسج المصنف.
  3. (٣) (ت): «لا يعتريه توهم ولا نقص أصلا».
  4. (٤) في الأصول: «كانت». وهو تحريف.
1081

وهذا الباعثُ أكملُ بواعث العبوديَّة وأقواها، حتى لو فُرِض تجرُّده عن الأمر والنهي والثَّواب والعقاب استَفرَغ الوُسعَ واستَخلَص القلبَ للمعبود الحقِّ١.

ومن هذا قولُ بعض السَّلف: «إنه ليَسْتَخْرِجُ حبُّه من قلبي ما لا يسْتَخْرِجُه خوفُه»٢، ومنه قول عمر في صُهيب: «لو لم يَخَف اللهَ لم يَعْصِه»٣.

وقد كان هذا هو الواجبَ على كلِّ عاقل، كما قال بعضهم:

هَبِ البَعْثَ لم تَأتِنا رُسْلُهوجَاحِمَةُ النَّارِ لم تُضْرَمِ
أليسَ من الواجب المُسْتَحَقْــقِ طاعةُ ربِّ الورى الأكرمِ٤
  1. (١) في (ت) زيادة: «ومن هذا شأنه فهو المعبود الحق».
  2. (٢) (ق، ت): «ما لا يستخرجه قوله». وهو تحريف. وقد سلف الأثر وتخريجه (ص: ٨٢١).
  3. (٣) يعني: أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته. انظر: «طريق الهجرتين» (٥٩٠)، و«بدائع الفوائد» (٩٢)، و«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٤)، و«جامع المسائل» (٣/ ٣١٥).
    وقد اشتهر هذا الأثر في كلام الأصوليين وأصحاب المعاني وأهل العربية، وبعضهم يذكره مرفوعًا، وقال العراقي وغيره: لا أصل له. انظر: «المقاصد الحسنة» (٥٢٦)، و«تدريب الراوي» (٢/ ١٦٢).
    وورد مرفوعًا بمعناه في سالم مولى أبي حذيفة. أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٧٧) من حديث عمر، ولا يصح. انظر: «السلسلة الضعيفة» (٣١٧٩).
  4. (٤) الأول للوزير المهلَّبي في «يتيمة الدهر» (٢/ ٢٨٥)، والثاني عنده:
    أليس بكافٍ لذي فكرةٍ ... حياءُ المسيء من المنعم
    وأنشدهما ابن الجوزي في «المدهش» (٦٩٩) دون نسبة.
1082

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي