وفي الحديث المرفوع المشهور أنَّ من الملائكة من هو ساجدٌ لله لا يرفعُ رأسَه منذ خُلِق، ومنهم راكعٌ لا يرفعُ رأسَه من الرُّكوع منذ خُلِق إلى يوم القيامة، وأنهم يقولون يوم القيامة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك١.
ولمَّا كانت عبادتُه تعالى تابعةً لمحبته وإجلاله، وكانت المحبةُ نوعان٢: محبةً تنشأ عن الإنعام والإحسان، فتُوجِبُ شكرًا وعبوديَّةً بحسب كمالها ونقصانها، ومحبةً تنشأ عن جمال المحبوب وكماله٣، فتُوجِبُ عبوديَّةً وطاعةً أكمَل من الأولى= كان الباعثُ على الطاعة والعبوديَّة لا يخرُج عن هذين النَّوعين.
وأمَّا أن تقعَ الطَّاعةُ صادرةً عن خوفٍ محضٍ غير مقرونٍ بمحبة، فهذا قد ظنَّه كثيرٌ من المتكلِّمين، وهي عندهم غايةُ العارِف٤، بناءً على أصلهم الباطل: أنَّ الله لا تتعلَّق المحبةُ بذاته، وإنما تتعلَّق بمخلوقاته مما هو في الجنَّة من النَّعيم؛ فهم لا يحبُّونه لذاته وكماله ولا لإحسانه، ويُنْكِرون محبتَه لذلك، وإنما المحبوبُ عندهم في الحقيقة غيرُه.
(١) أخرجه محمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٢٦٠)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» (٥١٥)، وغيرهما من حديث رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ. قال ابن كثير في «التفسير» (٨/ ٣٦٦٢): «وهذا إسناد لا بأس به». وروي نحوه من حديث جابر وعبد الله بن عمرو.
وهذا من أبطَل الباطل، وسنذكُر في القسم الثَّاني إن شاء الله من هذا الكتاب بطلانَ هذا المذهب من أكثر من مئة وجه١.
ولو عرَف القومُ صفاتِ الأرواح وأحكامَها لعلموا أنَّ طاعةَ من لا يُحَبُّ٢ وعبادتَه محال، وأنَّ من أتى بصورة الطَّاعة خوفًا مجرَّدًا عن الحبِّ فليس بمطيعٍ ولا عابد، وإنما هو كالمُكْرَه، أو كأجير السَّوء الذي إن أُعطِيَ عَمِل وإن لم يُعْطَ كَفَر وأبَق.
وسَيَرِدُ عليك بسطُ الكلام في هذا عن قريبٍ إن شاء الله٣.
والمقصودُ أنَّ الطَّاعةَ والعبادة النَّاشئة عن محبة الكمال والجمال أعظمُ من الطَّاعة النَّاشئة عن رؤية الإنعام والإحسان، وفرقٌ عظيمٌ بين ما تعلَّق بالحيِّ الذي لا يموت، وبين ما تعلَّق بالمخلوق، وإن شَمِل النَّوعين اسمُ المحبة، ولكنْ كم بين من يحبُّك لذاتك وأوصافك وجمالك، وبين من يحبُّك لخَيْرِك ودراهمك؟!
فصل
والأسماء الحسنى والصِّفاتُ العُلى مقتضيةٌ لآثارها من العبوديَّة والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكلِّ صفةٍ عبوديَّةٌ خاصَّةٌ هي من مُوجَباتها ومقتضياتها، أعني: مِنْ مُوجَبات العلم بها والتَّحقُّق٤ بمعرفتها.
(١) لم يقع ذلك. وراجع ما كتبناه في المقدمة عن تقسيم الكتاب.