مفتاح دار السعادة

وهذا من أبطَل الباطل، وسنذكُر في القسم الثَّاني إن شاء الله من هذا الكتاب بطلانَ هذا المذهب من أكثر من مئة وجه١.

ولو عرَف القومُ صفاتِ الأرواح وأحكامَها لعلموا أنَّ طاعةَ من لا يُحَبُّ٢ وعبادتَه محال، وأنَّ من أتى بصورة الطَّاعة خوفًا مجرَّدًا عن الحبِّ فليس بمطيعٍ ولا عابد، وإنما هو كالمُكْرَه، أو كأجير السَّوء الذي إن أُعطِيَ عَمِل وإن لم يُعْطَ كَفَر وأبَق.

وسَيَرِدُ عليك بسطُ الكلام في هذا عن قريبٍ إن شاء الله٣.

والمقصودُ أنَّ الطَّاعةَ والعبادة النَّاشئة عن محبة الكمال والجمال أعظمُ من الطَّاعة النَّاشئة عن رؤية الإنعام والإحسان، وفرقٌ عظيمٌ بين ما تعلَّق بالحيِّ الذي لا يموت، وبين ما تعلَّق بالمخلوق، وإن شَمِل النَّوعين اسمُ المحبة، ولكنْ كم بين من يحبُّك لذاتك وأوصافك وجمالك، وبين من يحبُّك لخَيْرِك ودراهمك؟!

فصل

والأسماء الحسنى والصِّفاتُ العُلى مقتضيةٌ لآثارها من العبوديَّة والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكلِّ صفةٍ عبوديَّةٌ خاصَّةٌ هي من مُوجَباتها ومقتضياتها، أعني: مِنْ مُوجَبات العلم بها والتَّحقُّق٤ بمعرفتها.

  1. (١) لم يقع ذلك. وراجع ما كتبناه في المقدمة عن تقسيم الكتاب.
  2. (٢) (ق): «تجب». تحريف.
  3. (٣) انظر التعليق المتقدم قبل قليل.
  4. (٤) في الأصول: «والتحقيق». والمثبتُ من (ط) أشبه.
1085

وهذا مطَّردٌ في جميع أنواع العبوديَّة التي على القلب والجوارح:

* فعِلمُ العبد بتفرُّد الرَّبِّ تعالى بالضُّرِّ والنَّفع، والعطاء والمنع، والخلق والرَّزق، والإحياء والإماتة= يُثمِرُ له عبوديَّة التَّوكُّل عليه باطنًا، ولوازمَ التَّوكُّل وثمراته ظاهرًا.

* وعِلمُه بسمعه تعالى وبصره وعِلمه١، وأنه لا يخفى عليه مثقالُ ذرَّةٍ في السَّموات ولا في الأرض، وأنه يعلمُ السِّرَّ وأخفى، ويعلمُ خائنةَ الأعيُن وما تخفي الصُّدور= يُثمِرُ له حِفظ لسانه وجوارحه وخَطراتِ قلبه عن كلِّ ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلُّق هذه الأعضاء بما يحبُّه الله ويرضاه؛ فيُثمِرُ له ذلك الحياءَ باطنًا، ويُثمِرُ له الحياءُ اجتنابَ المحرَّمات والقبائح.

* ومعرفتُه بغِناه وجوده، وكرمه وبِرِّه، وإحسانه ورحمته= توجبُ له سَعَة الرَّجاء، ويُثمِرُ له ذلك من أنواع العبوديَّة الظَّاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.

* وكذلك معرفتُه بجلال الله وعظمته وعِزِّه تُثمِرُ له الخضوعَ٢ والاستكانة والمحبة، وتُثمِرُ له تلك الأحوالُ الباطنةُ أنواعًا من العبوديَّة الظَّاهرةِ هي مُوجَباتها.

* وكذلكَ عِلْمُه بكمالِه وجمالِه وصفاتِه العُلى يُوجِبُ له محبةً خاصَّةً تُثمِرُ له٣ أنواعَ العبوديَّة.

  1. (١) «وعلمه» ليست في (ت).
  2. (٢) (ت): «الخضوع له».
  3. (٣) في الأصول: «بمنزلة». وهو تحريف.
1086

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي