وهذا مطَّردٌ في جميع أنواع العبوديَّة التي على القلب والجوارح:
* فعِلمُ العبد بتفرُّد الرَّبِّ تعالى بالضُّرِّ والنَّفع، والعطاء والمنع، والخلق والرَّزق، والإحياء والإماتة= يُثمِرُ له عبوديَّة التَّوكُّل عليه باطنًا، ولوازمَ التَّوكُّل وثمراته ظاهرًا.
* وعِلمُه بسمعه تعالى وبصره وعِلمه١، وأنه لا يخفى عليه مثقالُ ذرَّةٍ في السَّموات ولا في الأرض، وأنه يعلمُ السِّرَّ وأخفى، ويعلمُ خائنةَ الأعيُن وما تخفي الصُّدور= يُثمِرُ له حِفظ لسانه وجوارحه وخَطراتِ قلبه عن كلِّ ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلُّق هذه الأعضاء بما يحبُّه الله ويرضاه؛ فيُثمِرُ له ذلك الحياءَ باطنًا، ويُثمِرُ له الحياءُ اجتنابَ المحرَّمات والقبائح.
* ومعرفتُه بغِناه وجوده، وكرمه وبِرِّه، وإحسانه ورحمته= توجبُ له سَعَة الرَّجاء، ويُثمِرُ له ذلك من أنواع العبوديَّة الظَّاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.
* وكذلك معرفتُه بجلال الله وعظمته وعِزِّه تُثمِرُ له الخضوعَ٢ والاستكانة والمحبة، وتُثمِرُ له تلك الأحوالُ الباطنةُ أنواعًا من العبوديَّة الظَّاهرةِ هي مُوجَباتها.
فرجَعَت العبوديَّةُ كلُّها إلى مقتضى الأسماء والصِّفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها؛ فخلقُه سبحانه وأمرُه هو مُوجَبُ أسمائه وصفاته في العالَم وآثارُها ومقتضاها، لا أنه يتزيَّنُ مِنْ عباده بطاعتهم، ولا تَشِينُه معصيتُهم.
وتأمَّل قوله ﷺ في الحديث الصَّحيح الذي يرويه عن ربِّه ﵎: «يا عبادي، إنكم لن تبلُغوا ضُرِّي فتضرُّوني، ولن تبلُغوا نفعي فتنفعوني»١، ذَكَر هذا عقبَ قوله: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفرُ الذُّنوبَ جميعًا، فاستغفروني أغفِر لكم».
فتضمَّن ذلك أنَّ ما يفعلُه تعالى بهم، مِنْ غفران زلَّاتهم، وإجابة دعَواتهم، وتفريج كُرباتهم؛ ليس لجلْب منفعةٍ منهم، ولا لدفع مضرَّةٍ يتوقَّعها منهم، كما هو عادةُ المخلوق الذي ينفعُ غيرَه ليكافئه بنفعٍ مثله، أو ليدفع عنه ضررًا.
فالرَّبُّ تعالى لم يحسِن إلى عباده ليكافئوه، ولا ليدفعوا عنه ضررًا؛ فقال: «لن تبلُغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلُغوا ضُرِّي فتضرُّوني»؛ إني٢ لستُ إذا هديتُ مُسْتَهْدِيكم، وأطعمتُ مُسْتَطْعِمَكم، وكسوتُ مُسْتَكْسِيكم، وأرويتُ مُسْتَسْقِيكم، وكفَيتُ مُسْتَكْفِيكم، وغفرتُ لمستَغْفِركم= بالذي أطلبُ منكم أن تنفعوني، أو تدفعوا عني ضررًا، فإنكم لن تبلُغوا ذلك، وأنا الغنيُّ الحميد.