مفتاح دار السعادة

كيف والخلقُ عاجزون عمَّا يَقْدِرُون عليه من الأفعال إلا بإقداره وتيسيره وخلقه، فكيف بما لا يَقْدِرون عليه؟!

فكيف يبلُغوا١ نفعَ الغنيِّ الصَّمد الذي يمتنعُ في حقِّه أن يَسْتَجْلِبَ من غيره نفعًا أو يَسْتَدْفِعَ منه ضررًا، بل ذلك مستحيلٌ في حقِّه؟!

ثمَّ ذَكَر بعد هذا قوله: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجَر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقصَ ذلك من ملكي شيئًا»؛ فبيَّن سبحانه أنَّ ما أمرهم به من الطَّاعات، وما نهاهم عنه من السيِّئات، لا يتضمَّنُ استجلابَ نفعهم، ولا استدفاعَ ضررهم؛ كأمر السيِّد عبدَه، والوالد ولدَه، والإمام رعيَّتَه، بما ينفعُ الآمرَ والمأمور، ونهيِهم عمَّا يضرُّ النَّاهي والمنهيَّ؛ فبيَّن تعالى أنه المنزَّه عن لحوق نفعهم وضرِّهم به، في إحسانه إليهم بما يفعلُه بهم، وبما يأمرُهم به.

ولهذا لمَّا ذَكَر الأصلَيْن بعد هذا، وأنَّ تقواهم وفجورَهم الذي هو طاعتُهم ومعصيتُهم لا يزيدُ في مُلكه شيئًا ولا ينقُصه، وأنَّ نسبة ما يسألونه كلُّهم إياه فيعطيهم إلى ما عنده كَلا نسبة؛ فتضمَّن ذلك أنه لم يأمرهم ولم يحسن إليهم بإجابة الدَّعوات، وغفران الزلَّات، وتفريج الكُربات، لاستجلاب منفعةٍ، ولا لاستدفاع مَضرَّة، وأنهم لو أطاعوه كلُّهم لم يزيدوا في مُلكه شيئًا، ولو عصَوه كلُّهم لم ينقُصوا من مُلكه شيئًا، وأنه الغنيُّ الحميد.

  1. (١) كذا في الأصول. بحذف النون.
1088

ومن كان هكذا فإنه لا يتزيَّنُ بطاعة عباده، ولا تَشِينُه معاصيهم، ولكن من له الحِكَمُ البوالغُ١ في تكليف عباده وأمرِهم ونهيهم ما يقتضيه ملكُه التَّامُّ وحمدُه وحكمتُه، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يستوجِبُ من عباده شكرَ نِعَمه التي لا تحصى، بحسب قُواهم وطاقتهم، لا بحسب ما ينبغي له، فإنه أعظمُ وأجلُّ من أن يَقْدِر خلقُه عليه، ولكنه سبحانه يرضى من عباده بما تسمحُ به طبائعُهم وقُواهم.

فلا شيء أحسنُ في العقول والفِطر مِنْ شُكر المُنْعِم٢، ولا أنفعُ للعبد منه.

فهذان مسلكان آخران في حُسْن التكليف والأمر والنهي:

أحدهما: يتعلَّق بذاته وصفاته، وأنه أهلٌ لذلك، وأنَّ جماله تعالى وكماله وأسماءه وصفاته تقتضي من عباده غايةَ الحبِّ والذُّلِّ والطَّاعة له.

الثَّاني: متعلِّقٌ بإحسانه وإنعامه، ولا سيَّما مع غِناه عن عباده، وأنه إنما يحسِنُ إليهم رحمةً منه وجودًا وكرمًا، لا لمعاوَضةٍ ولا لاستجلاب منفعةٍ ولا لدفع مضرَّة.

وأيُّ المسلكين سَلَكه العبدُ أوقعَه على محبته وبذلِ الجهد في مرضاته. فأين هذان المسلكان من ذَيْنِك المسلكين٣؟!

وإنما أُتي القومُ من إنكارهم المحبة، وذلك الذي حَرَمهم من العلم

  1. (١) (ط): «ولكن له من الحكم البوالغ».
  2. (٢) (ت): «النعم».
  3. (٣) مسلكي القدرية والجبرية في علة التكليف وحكمته. وقد تقدَّما قريبًا.
1089

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي