مفتاح دار السعادة

ومن كان هكذا فإنه لا يتزيَّنُ بطاعة عباده، ولا تَشِينُه معاصيهم، ولكن من له الحِكَمُ البوالغُ١ في تكليف عباده وأمرِهم ونهيهم ما يقتضيه ملكُه التَّامُّ وحمدُه وحكمتُه، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يستوجِبُ من عباده شكرَ نِعَمه التي لا تحصى، بحسب قُواهم وطاقتهم، لا بحسب ما ينبغي له، فإنه أعظمُ وأجلُّ من أن يَقْدِر خلقُه عليه، ولكنه سبحانه يرضى من عباده بما تسمحُ به طبائعُهم وقُواهم.

فلا شيء أحسنُ في العقول والفِطر مِنْ شُكر المُنْعِم٢، ولا أنفعُ للعبد منه.

فهذان مسلكان آخران في حُسْن التكليف والأمر والنهي:

أحدهما: يتعلَّق بذاته وصفاته، وأنه أهلٌ لذلك، وأنَّ جماله تعالى وكماله وأسماءه وصفاته تقتضي من عباده غايةَ الحبِّ والذُّلِّ والطَّاعة له.

الثَّاني: متعلِّقٌ بإحسانه وإنعامه، ولا سيَّما مع غِناه عن عباده، وأنه إنما يحسِنُ إليهم رحمةً منه وجودًا وكرمًا، لا لمعاوَضةٍ ولا لاستجلاب منفعةٍ ولا لدفع مضرَّة.

وأيُّ المسلكين سَلَكه العبدُ أوقعَه على محبته وبذلِ الجهد في مرضاته. فأين هذان المسلكان من ذَيْنِك المسلكين٣؟!

وإنما أُتي القومُ من إنكارهم المحبة، وذلك الذي حَرَمهم من العلم

  1. (١) (ط): «ولكن له من الحكم البوالغ».
  2. (٢) (ت): «النعم».
  3. (٣) مسلكي القدرية والجبرية في علة التكليف وحكمته. وقد تقدَّما قريبًا.
1089

والإيمان ما حَرَمهم، وأوجبَ لهم سلوكَ تلك الطُّرق المسدودة، والله الفتَّاحُ العليم.

الوجه الثَّامن والأربعون: قولكم: «فلا تكونُ نِعَمُه تعالى ثوابًا، بل ابتداءً»١ = كلامٌ يحتملُ حقًّا وباطلًا.

فإن أردتم به أنه لا يثيبُهم على أعمالهم بالجنَّة ونعيمها، ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون= فهو باطل، والقرآنُ أعظمُ شاهدٍ ببطلانه:

قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥].

وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٣ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ ــ ١٤].

وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

  1. (١) انظر: (ص: ٩٨٤).
1090

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي