مفتاح دار السعادة

وإنما يُقَدَّرُ التعارضُ بين العقل والهوى، وأمَّا أن يتعارض في العقول إرشادُ العباد إلى سعادتهم في المعاش والمعاد، وتركُهم همَلًا كالأنعام السَّائمة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا؛ فلم يتعارض هذان في عقلٍ صحيحٍ أبدًا.

الوجه الخمسون: قولكم: «فكيف يُعَرِّفنا العقلُ وجوبًا على نفسِه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطَّاعة وعلى الرَّبِّ بالثَّواب والعقاب؟!»١.

فيقال: وأيُّ استبعادٍ في ذلك؟! وما الذي يُحِيلُه؟! فقد عرَّفنا العقلُ من الواجبات عليه ما يقبُح من العبد تركُها، كما عرَّفنا وعرَّف أهلَ العقول وذوي الفِطَر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة وجوبَ الإقرار بالله وربوبيَّته وشكر نعمته ومحبته، وعرَّفنا قُبحَ الإشراك به والإعراض عنه ونسبته إلى ما لا يليقُ به، وعرَّفنا قُبحَ الفواحش والظُّلم والإساءة والفجور والكذب والبَهْت والإثم والبغي والعدوان.

فكيف يُسْتَبْعَدُ منه أن يعرِّفنا وجوبًا على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالشُّكر المقدور المسْتَحْسَن في العقول، التي جاءت الشرائعُ بتفصيل ما أدركه العقلُ منه جملةً، وبتقرير ما أدركه منه تفصيلًا؟!

وأمَّا الوجوبُ على الله بالثَّواب والعقاب؛ فهذا مما تتباينُ فيه٢ الطَّائفتان أعظمَ تبايُن:

* فأثبتت القَدَرِيَّةُ من المعتزلة عليه تعالى وجوبًا عقليًّا وضعوه شريعةً

  1. (١) انظر: (ص: ٩٨٤).
  2. (٢) في الأصول: «تتباين منه». والمثبت من (ط).
1093

له بعقولهم، وحرَّموا عليه الخروجَ عنه، وشبَّهوه في ذلك كلِّه١. وبدَّعهم في ذلك سائرُ الطَّوائف، وسفَّهوا رأيهم فيه، وبيَّنوا مُناقَضتَهم، وألزموهم بما لا محيدَ لهم عنه.

* ونفَت الجبريَّةُ أن يجبَ عليه ما أوجبه على نفسه ويحرُم عليه ما حرَّمه على نفسه، وجوَّزوا عليه ما يتعالى ويتنزَّه عنه وما لا يليقُ بجلاله مما حرَّمه على نفسه، وجوَّزوا عليه تركَ ما أوجبه على نفسه مما يتعالى ويتنزَّه عن تركه وفعلِ ضدِّه.

فتباينَ الطَّائفتان أعظمَ تبايُن.

* وهدى الله الذين آمنوا ــ أهلَ السُّنَّة الوَسط ــ للطَّريقة المثلى التي جاء بها رسولُه، ونزل بها كتابُه، وهي أنَّ العقول البشريَّة ــ بل وسائر المخلوقات ــ لا توجبُ على ربِّها شيئًا ولا تحرِّمه، وأنه يتعالى ويتنزَّه عن ذلك، وأمَّا ما كَتَبه على نفسه وحرَّمه على نفسه فإنه لا يُخِلُّ به، ولا يقعُ منه خلافُه، فهو إيجابٌ منه على نفسه بنفسه، وتحريمٌ منه على نفسه بنفسه، فليس فوقه تعالى مُوجِبٌ ولا محرِّم. وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطُ ذلك وتقريرُه٢.

الوجه الحادي والخمسون: قولكم: «إنه على أصول المعتزلة يستحيلُ الأمرُ والنهيُ والتكليف»٣، وتقريرُكم ذلك= فكلامٌ لا مَطْعَن فيه، والأمرُ فيه كما ذكرتم، وأنَّ حقيقةَ قول القوم أنه لا أمرَ ولا نهيَ ولا شرعَ أصلًا؛ إذ

  1. (١) أي: بخلقه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
  2. (٢) انظر: (ص: ١١٣٦).
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٨٤).
1094

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي