مفتاح دار السعادة

له بعقولهم، وحرَّموا عليه الخروجَ عنه، وشبَّهوه في ذلك كلِّه١. وبدَّعهم في ذلك سائرُ الطَّوائف، وسفَّهوا رأيهم فيه، وبيَّنوا مُناقَضتَهم، وألزموهم بما لا محيدَ لهم عنه.

* ونفَت الجبريَّةُ أن يجبَ عليه ما أوجبه على نفسه ويحرُم عليه ما حرَّمه على نفسه، وجوَّزوا عليه ما يتعالى ويتنزَّه عنه وما لا يليقُ بجلاله مما حرَّمه على نفسه، وجوَّزوا عليه تركَ ما أوجبه على نفسه مما يتعالى ويتنزَّه عن تركه وفعلِ ضدِّه.

فتباينَ الطَّائفتان أعظمَ تبايُن.

* وهدى الله الذين آمنوا ــ أهلَ السُّنَّة الوَسط ــ للطَّريقة المثلى التي جاء بها رسولُه، ونزل بها كتابُه، وهي أنَّ العقول البشريَّة ــ بل وسائر المخلوقات ــ لا توجبُ على ربِّها شيئًا ولا تحرِّمه، وأنه يتعالى ويتنزَّه عن ذلك، وأمَّا ما كَتَبه على نفسه وحرَّمه على نفسه فإنه لا يُخِلُّ به، ولا يقعُ منه خلافُه، فهو إيجابٌ منه على نفسه بنفسه، وتحريمٌ منه على نفسه بنفسه، فليس فوقه تعالى مُوجِبٌ ولا محرِّم. وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطُ ذلك وتقريرُه٢.

الوجه الحادي والخمسون: قولكم: «إنه على أصول المعتزلة يستحيلُ الأمرُ والنهيُ والتكليف»٣، وتقريرُكم ذلك= فكلامٌ لا مَطْعَن فيه، والأمرُ فيه كما ذكرتم، وأنَّ حقيقةَ قول القوم أنه لا أمرَ ولا نهيَ ولا شرعَ أصلًا؛ إذ

  1. (١) أي: بخلقه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
  2. (٢) انظر: (ص: ١١٣٦).
  3. (٣) انظر: (ص: ٩٨٤).
1094

ذلك إنما يصحُّ إذا ثبت قيامُ الكلام بالمُرْسِل الآمر النَّاهي وقيامُ الاقتضاء والطَّلب والحبِّ لما أمَر به والبغض لما نهى عنه.

فأمَّا إذا لم يثبُت له كلامٌ ولا إرادةٌ ولا اقتضاءٌ ولا طلبٌ ولا حبٌّ ولا بغضٌ قائمٌ به، فإنه لا يُعْقَلُ أصلًا كونُه آمرًا ولا ناهيًا، ولا باعثًا للرُّسل، ولا محبًّا للطَّاعة باغضًا للمعصية.

فأصولُ هذه الطَّائفة تعطلُ الصَّانع١ عن صفات كماله، فإنها تستلزمُ إبطالَ الرِّسالة والنبوَّة جملةً، ولكن رُبَّ لازمٍ لا يلتزمُه صاحبُ المقالة، ويتناقضُ في القول بملزومه دونَ القول به، ولا ريبَ أنَّ فسادَ اللازم مستلزمٌ لفساد الملزوم.

ولكن يقالُ لكم معاشرَ الجبريَّة: لا تكونوا ممَّن يرى القذاةَ في عين أخيه ولا يرى الجِذْعَ المُعْتَرِض في عينه، فقد ألزمَتكم القَدَرِيَّةُ ما لا محيدَ لكم عنه، وقالوا: من نفى فعلَ العبد جملةً فقد عطَّل الشرائعَ والأمرَ والنهي؛ فإنَّ الأمرَ والنهيَ لا يتعلَّقُ إلا بالفعل المأمور به، فهو الذي يُؤمَرُ به ويُنهى عنه، ويثابُ عليه ويعاقَب، فإذا نفيتم فعلَ العبد فقد رفعتم متعلَّقَ الأمر والنهي، وفي ذلك إبطالُ الأمر والنهي، فلا فرقَ بين رفع المأمور به المنهيِّ عنه ورفع المأمور المنهيِّ نفسِه؛ فإنَّ الأمرَ يستلزمُ آمرًا ومأمورًا به، ولا تصحُّ له حقيقةٌ إلا بهذه الثَّلاث.

  1. (١) في الأصول: «الصفات». ولعل الصواب ما أثبت. انظر: «الصواعق المرسلة» (٨١٩، ١١١١، ١١٢١)، و«شفاء العليل» (٤٤٧)، و«مدارج السالكين» (١/ ٢٦).
1095

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي