مفتاح دار السعادة

ذلك إنما يصحُّ إذا ثبت قيامُ الكلام بالمُرْسِل الآمر النَّاهي وقيامُ الاقتضاء والطَّلب والحبِّ لما أمَر به والبغض لما نهى عنه.

فأمَّا إذا لم يثبُت له كلامٌ ولا إرادةٌ ولا اقتضاءٌ ولا طلبٌ ولا حبٌّ ولا بغضٌ قائمٌ به، فإنه لا يُعْقَلُ أصلًا كونُه آمرًا ولا ناهيًا، ولا باعثًا للرُّسل، ولا محبًّا للطَّاعة باغضًا للمعصية.

فأصولُ هذه الطَّائفة تعطلُ الصَّانع١ عن صفات كماله، فإنها تستلزمُ إبطالَ الرِّسالة والنبوَّة جملةً، ولكن رُبَّ لازمٍ لا يلتزمُه صاحبُ المقالة، ويتناقضُ في القول بملزومه دونَ القول به، ولا ريبَ أنَّ فسادَ اللازم مستلزمٌ لفساد الملزوم.

ولكن يقالُ لكم معاشرَ الجبريَّة: لا تكونوا ممَّن يرى القذاةَ في عين أخيه ولا يرى الجِذْعَ المُعْتَرِض في عينه، فقد ألزمَتكم القَدَرِيَّةُ ما لا محيدَ لكم عنه، وقالوا: من نفى فعلَ العبد جملةً فقد عطَّل الشرائعَ والأمرَ والنهي؛ فإنَّ الأمرَ والنهيَ لا يتعلَّقُ إلا بالفعل المأمور به، فهو الذي يُؤمَرُ به ويُنهى عنه، ويثابُ عليه ويعاقَب، فإذا نفيتم فعلَ العبد فقد رفعتم متعلَّقَ الأمر والنهي، وفي ذلك إبطالُ الأمر والنهي، فلا فرقَ بين رفع المأمور به المنهيِّ عنه ورفع المأمور المنهيِّ نفسِه؛ فإنَّ الأمرَ يستلزمُ آمرًا ومأمورًا به، ولا تصحُّ له حقيقةٌ إلا بهذه الثَّلاث.

  1. (١) في الأصول: «الصفات». ولعل الصواب ما أثبت. انظر: «الصواعق المرسلة» (٨١٩، ١١١١، ١١٢١)، و«شفاء العليل» (٤٤٧)، و«مدارج السالكين» (١/ ٢٦).
1095

ومعلومٌ أنَّ أمرَ الآمِر [غيرَه]١ بفعلِ نفسِه ونهيَه عن [فعلِ]٢ نفسِه يُبْطِلُ التكليفَ جملةً؛ فإنَّ التكليف لا يُعْقَلُ معناه إلا إذا كان المكلَّفُ قد كُلِّفَ بفعله [الذي] هو المقدورُ له، التَّابعُ لإرادته ومشيئته.

وأمَّا إذا رفعتم ذلك من البَيْن٣، وقلتم: بل هو مكلَّفٌ بفعل الله حقيقةً، لا يدخُل تحت قدرة العبد، ولا هو متمكِّنٌ من الإتيان به، ولا هو واقعٌ بإرادته ومشيئته؛ فقد نفيتم التكليف جملةً من حيث أثبتموه، وفي ذلك إبطالٌ للشرائع والرِّسالة جملة.

قالوا: فليتأمَّل المنصفُ الفَطِنُ ــ لا البليدُ المتعصِّب ــ صحَّةَ هذا الإلزام، فلن يجد عنه محيدًا.

قالوا: فأنتم معاشرَ الجبريَّة قَدَرِيَّةٌ من حيث نفيُكم٤ الفعلَ المأمورَ به، فإن كان خصومكم قَدَرِيَّةً من حيث نفَوا تعلُّقَ القدرة القديمة، فأنتم أولى أن تكونوا قَدَرِيَّةً من حيث نفيتم فعلَ العبد له، وتأثيرَه فيه، وتعلُّقه بمشيئته، فأنتم أثبتُّم قَدَرًا على الله وقَدَرًا على العبد:

* أمَّا القَدَرُ على الله، فحيث زعمتم أنه تعالى يأمرُ بفعلِ نفسِه، وينهى عن فعلِ نفسِه. ومعلومٌ أنَّ ذلك لا يصلُح أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه، فأثبتُّم أمرًا ولا مأمورَ به، ونهيًا ولا منهيَّ عنه. وهذه قَدَرِيَّةٌ محضةٌ في حقِّ الرَّبِّ.

  1. (١) زيادة توضيحية. وانظر: «شفاء العليل» (٢٢٦، ٤١٢، ٤١٣).
  2. (٢) ساقطة من الأصول. وهي لازمة. وستأتي العبارة على الصواب.
  3. (٣) أي: الوسط.
  4. (٤) (ت): «نفيتم».
1096

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي