مفتاح دار السعادة

ومعلومٌ أنَّ أمرَ الآمِر [غيرَه]١ بفعلِ نفسِه ونهيَه عن [فعلِ]٢ نفسِه يُبْطِلُ التكليفَ جملةً؛ فإنَّ التكليف لا يُعْقَلُ معناه إلا إذا كان المكلَّفُ قد كُلِّفَ بفعله [الذي] هو المقدورُ له، التَّابعُ لإرادته ومشيئته.

وأمَّا إذا رفعتم ذلك من البَيْن٣، وقلتم: بل هو مكلَّفٌ بفعل الله حقيقةً، لا يدخُل تحت قدرة العبد، ولا هو متمكِّنٌ من الإتيان به، ولا هو واقعٌ بإرادته ومشيئته؛ فقد نفيتم التكليف جملةً من حيث أثبتموه، وفي ذلك إبطالٌ للشرائع والرِّسالة جملة.

قالوا: فليتأمَّل المنصفُ الفَطِنُ ــ لا البليدُ المتعصِّب ــ صحَّةَ هذا الإلزام، فلن يجد عنه محيدًا.

قالوا: فأنتم معاشرَ الجبريَّة قَدَرِيَّةٌ من حيث نفيُكم٤ الفعلَ المأمورَ به، فإن كان خصومكم قَدَرِيَّةً من حيث نفَوا تعلُّقَ القدرة القديمة، فأنتم أولى أن تكونوا قَدَرِيَّةً من حيث نفيتم فعلَ العبد له، وتأثيرَه فيه، وتعلُّقه بمشيئته، فأنتم أثبتُّم قَدَرًا على الله وقَدَرًا على العبد:

* أمَّا القَدَرُ على الله، فحيث زعمتم أنه تعالى يأمرُ بفعلِ نفسِه، وينهى عن فعلِ نفسِه. ومعلومٌ أنَّ ذلك لا يصلُح أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه، فأثبتُّم أمرًا ولا مأمورَ به، ونهيًا ولا منهيَّ عنه. وهذه قَدَرِيَّةٌ محضةٌ في حقِّ الرَّبِّ.

  1. (١) زيادة توضيحية. وانظر: «شفاء العليل» (٢٢٦، ٤١٢، ٤١٣).
  2. (٢) ساقطة من الأصول. وهي لازمة. وستأتي العبارة على الصواب.
  3. (٣) أي: الوسط.
  4. (٤) (ت): «نفيتم».
1096

* وأمَّا في حقِّ العبد، فإنكم جعلتموه مأمورًا منهيًّا من غير أن يكون له فعلٌ يُؤمَرُ به ويُنهى عنه. فأيُّ قَدَرِيَّةٍ أبلغُ من هذه؟!

فمن الذي تضمَّن قولُه إبطالَ الشَّرائع وتعطيلَ الأوامر؟!

فليتنبَّه اللبيبُ لمَواقع١ هذه المساجَلة، وسهام هذه المناضَلة، ثمَّ ليَخْتَر منهما إحدى خُطَّتين، ولا والله «ما فيهما حظٌّ لمختار»٢.

ولا ينجو من هذه الوَرَطاتِ إلا من أثبت كلامَ الله القائمَ به، المتضمِّنَ لأمره ونهيه ووعده ووعيده، وأثبت له ما أثبت لنفسه من صفات كماله، ومن الأمور الثُّبوتيَّة القائمة به، ثمَّ أثبت مع ذلك فعلَ العبد واختيارَه ومشيئتَه وإرادتَه التي هي مناطُ الشرائع ومتعلَّقُ الأمر والنهي، فلا جَبْريٌّ ولا جهميٌّ ولا قَدَريٌّ.

وكيف يختارُ العاقلُ آراءً ومذاهبَ هذه بعض لوازمها؟! ولو صابَرها إلى آخرها لاستبانَ له من فسادها وبطلانها ما يتعجَّبُ معه من قائلها ومُنْتَحِلها، والله الموفِّق للصَّواب.

الوجه الثَّاني والخمسون: قولكم: «إنه ما مِن معنًى يُستَنبطُ من قولٍ أو فعلٍ ليُربَط به معنًى مناسبٌ له إلا ومن حيث العقلُ يعارضُه معنًى آخرُ يساويه في الدَّرجة أو يفضُل عليه في المرتبة، فيتحيَّر العقلُ في الاختيار، إلى أن يَرِدَ شرعٌ يختارُ أحدَهما أو يرجِّحُه من تلقائه، فيجبُ على العاقل اعتبارُه

  1. (١) في الأصول: «لمواقعة». وهو تحريف.
  2. (٢) اقتباسٌ من قول الأعشى:
    فقال: ثكلٌ وغدرٌ أنت بينهما ... فاختر، وما فيهما حظٌّ لمختار
1097

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي