مفتاح دار السعادة

* وأمَّا في حقِّ العبد، فإنكم جعلتموه مأمورًا منهيًّا من غير أن يكون له فعلٌ يُؤمَرُ به ويُنهى عنه. فأيُّ قَدَرِيَّةٍ أبلغُ من هذه؟!

فمن الذي تضمَّن قولُه إبطالَ الشَّرائع وتعطيلَ الأوامر؟!

فليتنبَّه اللبيبُ لمَواقع١ هذه المساجَلة، وسهام هذه المناضَلة، ثمَّ ليَخْتَر منهما إحدى خُطَّتين، ولا والله «ما فيهما حظٌّ لمختار»٢.

ولا ينجو من هذه الوَرَطاتِ إلا من أثبت كلامَ الله القائمَ به، المتضمِّنَ لأمره ونهيه ووعده ووعيده، وأثبت له ما أثبت لنفسه من صفات كماله، ومن الأمور الثُّبوتيَّة القائمة به، ثمَّ أثبت مع ذلك فعلَ العبد واختيارَه ومشيئتَه وإرادتَه التي هي مناطُ الشرائع ومتعلَّقُ الأمر والنهي، فلا جَبْريٌّ ولا جهميٌّ ولا قَدَريٌّ.

وكيف يختارُ العاقلُ آراءً ومذاهبَ هذه بعض لوازمها؟! ولو صابَرها إلى آخرها لاستبانَ له من فسادها وبطلانها ما يتعجَّبُ معه من قائلها ومُنْتَحِلها، والله الموفِّق للصَّواب.

الوجه الثَّاني والخمسون: قولكم: «إنه ما مِن معنًى يُستَنبطُ من قولٍ أو فعلٍ ليُربَط به معنًى مناسبٌ له إلا ومن حيث العقلُ يعارضُه معنًى آخرُ يساويه في الدَّرجة أو يفضُل عليه في المرتبة، فيتحيَّر العقلُ في الاختيار، إلى أن يَرِدَ شرعٌ يختارُ أحدَهما أو يرجِّحُه من تلقائه، فيجبُ على العاقل اعتبارُه

  1. (١) في الأصول: «لمواقعة». وهو تحريف.
  2. (٢) اقتباسٌ من قول الأعشى:
    فقال: ثكلٌ وغدرٌ أنت بينهما ... فاختر، وما فيهما حظٌّ لمختار
1097

واختيارُه لترجيح الشَّرع له، لا لرجحانه في نفسه»١.

فيقال: إن أردتم بهذه المعارضة أنها ثابتةٌ في جميع الأفعال والأقوال المشتملة على الأوصاف المناسبة التي رُبِطت بها الأحكام ــ كما يدلُّ عليه كلامكم ــ؛ فدعوى باطلةٌ بالضرورة، وهي كذبٌ محضٌ. وكذلك إن أردتم أنها ثابتةٌ في أكثرها.

فأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح في الكذب والفجور، والظُّلم وإهلاك الحرث والنَّسل، والإساءة إلى المحسنين، وضرب الوالدَيْن واحتقارهما والمبالغة في إهانتهما بلا جُرْم؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للأوصاف القبيحة في الشِّرك بالله ومشيئته وكفران نِعَمه؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح٢ في أنواع الفواحش التي فُطِرَت العقولُ والفِطرُ على استقباحها؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح في نكاح الأمَّهات واستفراشهنَّ كاستفراش الإماء والزَّوجات؟! إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما تَشْهَدُ العقول بقُبحه من غير مُعارِضٍ فيها.

بل نحن لا ننكرُ أن يكونَ داعي الشهوة والهوى وداعي العقل يتعارضان؛ فإن أردتم هذا التعارض فمُسَلَّمٌ، ولكن لا يُجْدِي عليكم إلا عكسَ مطلوبكم.

وكذلك أيُّ معارضةٍ في العقول للأوصاف المقتضية حُسْنَ عبادة الله وشكره، وتعظيمه وتمجيده، والثَّناء عليه بآلائه وإنعامه وصفات جلاله ونُعوت كماله، وإفراده بالمحبة والعبادة والتَّعظيم؟!

  1. (١) انظر: (ص: ٩٨٦).
  2. (٢) (ت): «وأي معارضة للقبيح». والعبارة برمتها ليست في (ق).
1098

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي