واختيارُه لترجيح الشَّرع له، لا لرجحانه في نفسه»١.
فيقال: إن أردتم بهذه المعارضة أنها ثابتةٌ في جميع الأفعال والأقوال المشتملة على الأوصاف المناسبة التي رُبِطت بها الأحكام ــ كما يدلُّ عليه كلامكم ــ؛ فدعوى باطلةٌ بالضرورة، وهي كذبٌ محضٌ. وكذلك إن أردتم أنها ثابتةٌ في أكثرها.
فأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح في الكذب والفجور، والظُّلم وإهلاك الحرث والنَّسل، والإساءة إلى المحسنين، وضرب الوالدَيْن واحتقارهما والمبالغة في إهانتهما بلا جُرْم؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للأوصاف القبيحة في الشِّرك بالله ومشيئته وكفران نِعَمه؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح٢ في أنواع الفواحش التي فُطِرَت العقولُ والفِطرُ على استقباحها؟! وأيُّ معارضةٍ في العقل للوصف القبيح في نكاح الأمَّهات واستفراشهنَّ كاستفراش الإماء والزَّوجات؟! إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما تَشْهَدُ العقول بقُبحه من غير مُعارِضٍ فيها.
بل نحن لا ننكرُ أن يكونَ داعي الشهوة والهوى وداعي العقل يتعارضان؛ فإن أردتم هذا التعارض فمُسَلَّمٌ، ولكن لا يُجْدِي عليكم إلا عكسَ مطلوبكم.
وكذلك أيُّ معارضةٍ في العقول للأوصاف المقتضية حُسْنَ عبادة الله وشكره، وتعظيمه وتمجيده، والثَّناء عليه بآلائه وإنعامه وصفات جلاله ونُعوت كماله، وإفراده بالمحبة والعبادة والتَّعظيم؟!
(١) انظر: (ص: ٩٨٦).
(٢) (ت): «وأي معارضة للقبيح». والعبارة برمتها ليست في (ق).
وهذه حالُ جملة الشَّرائع وجمهورها، إذا تأمَّلها العقلُ جَزَم أنه يستحيلُ على أحكم الحاكمين أن يشرَع خلافَها لعباده.
وأمَّا إن أردتم أنَّ في بعض ما يَدِقُّ منها مسائلَ تتعارض فيها الأوصافُ المستنبَطةُ في العقول، فيتحيَّر العقلُ بين المناسب منها وغير المناسب؛ فهذا وإن كان واقعًا فإنه لا ينفي١ حُسْنَها الذَّاتيَّ وقُبحَ منهيِّها الذَّاتي، وكونُ الوصف خفيَّ المناسبة والتَّأثير في بعض المواضع مما لا يَدْفَعُه. وهذه حالُ كثيرٍ من الأمور العقليَّة المحضة، بل الحِسِّيَّة.
وهذا الطِّبُّ مع أنه حِسِّيٌّ تجريبيٌّ تُدْرَكُ منافعُ الأغذية والأدوية وقُواها وحرارتُها وبرودتُها ورطوبتُها ويبوستُها فيه بالحِسِّ، ومع هذا فأنتم ترونَ اختلافَ أهله في كثيرٍ من مسائلهم في الشيء الواحد، هل هو نافعٌ كذا، ملائمٌ له أو منافرٌ مؤذٍ٢؟ وهل هو حارٌّ أو بارد؟ وهل هو رطبٌ أو يابس؟ وهل فيه قوَّةٌ تصلُح لأمرٍ من الأمور أو لا قوَّة فيه؟
ومع هذا فالاختلافُ المذكورُ لا ينفي عند العقلاء ما جُعِلَ في الأغذية والأدوية من القُوى والمنافع والمضارِّ والكيفيَّات؛ لأنَّ سببَ الاختلاف