مفتاح دار السعادة

خفاءُ تلك الأوصاف على بعض العقلاء، ودِقَّتُها، وعجزُ الحِسِّ والعقل عن تمييزها ومعرفة مقاديرها والنِّسَب الواقعة بين كيفيَّاتها وطبائعها.

ولم يكن هذا الاختلافُ بمُوجِبٍ عند أحدٍ من العقلاء إنكارَ جملة العلم وجمهور قواعده ومسائله، ودعوى أنه ما مِنْ وصفٍ يُستنبَطُ من دواءٍ مفرَدٍ أو مركَّبٍ أو من غذاءٍ إلا وفي العقل ما يعارضه فيتحيَّر العقل! ولو ادَّعى هذا مُدَّعٍ لضَحِك منه العقلاء، بما عَلِمُوه بالضرورة والحسِّ من ملاءمة الأوصاف ومنافرتها، واقتضاءِ تلك الذَّوات للمنافع والمضارِّ في الغالب، ولا يكون اختلافُ بعض العقلاء يُوجِبُ إنكارَ ما عُلِمَ بالضرورة والحسِّ. فهكذا الشرائع.

الوجه الثالث والخمسون: إنَّ قولكم: «إذا قتَل إنسانٌ إنسانًا مثله عرَض للعقل هاهنا آراءٌ متعارضةٌ مختلفة ...»١ إلى آخره.

فيقال: إن أردتم أنَّ العقل يسوِّي بين ما شرَعه الله من القصاص وبين تركِه لمصلحة الجاني، فبَهْتٌ للعقل وكذبٌ عليه؛ فإنه لا يستوي عند عاقلٍ قطُّ حُسْنُ الاقتصاص من الجاني بمثل ما فَعَلَ وحُسْنُ تركِه والإعراض عنه، ولا يُعْلَمُ عقلٌ صحيحٌ يسوِّي بين الأمرين.

وكيف يستوي أمران: أحدُهما يستلزمُ فسادَ النَّوع، وخرابَ العالم، وتركَ الانتصار للمظلوم، وتمكينَ الجُناة من البغي والعدوان. والثَّاني يستلزمُ صلاحَ النَّوع، وعمارةَ العالم، والانتصارَ للمظلوم، ورَدْعَ الجُناة والبُغاة والمعتدين؟!

  1. (١) انظر: (ص: ٩٨٦).
1100

فكان في القِصاص حياةُ العالَم وصلاحُ الوجود.

وقد نبَّه تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وفي ضِمْن هذا الخطاب ما هو كالجواب لسؤالٍ مقدَّر: أنَّ إعدام١ هذه البِنْية الشريفة٢، وإيلامَ هذه النَّفس وإعدامَها، في مقابلة إعدام المقتول تكثيرٌ لمفسدة القتل، فلأيَّة حكمةٍ صَدَرَ هذا ممَّن وَسِعَت رحمتُه كلَّ شيء، وبَهَرت حكمتُه العقول؟!

فتضمَّن الخطابُ جوابَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وذلك لأنَّ القاتلَ إذا توهَّم أنه يُقْتَلُ قِصاصًا بمن قَتَله كَفَّ عن القتل وارتَدَع، وآثَر حُبَّ حياته ونفسِه؛ فكان فيه حياةٌ له ولمن أراد قتلَه.

ومن وجهٍ آخر؛ وهو أنهم كانوا إذا قُتِل الرَّجلُ من عشيرتهم وقبيلتهم قَتَلوا به كلَّ من وجدوه من عشيرة القاتل وحَيِّه وقبيلته، وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يَعُمُّ ضررُه، وتشتدُّ مُؤنتُه؛ فشرَع الله تعالى القِصاص، وأن لا يُقْتَل بالمقتول غيرُ قاتله، ففي ذلك حياةُ عشيرته وحَيِّه وأقاربه.

ولم تكن الحياةُ في القِصاص مِنْ حيث إنه قتلٌ، بل مِنْ حيث كونُه قِصاصًا يُؤخَذُ القاتلُ وحده بالمقتول، لا غيرُه.

فتضمَّن القِصاصُ الحياةَ في الوجهين جميعًا.

وتأمَّل ما تحت هذه الألفاظ الشَّريفة من الجلالة والإيجاز، والبلاغة والفصاحة، والمعنى العظيم:

  1. (١) في الأصول: «عدم». والمثبت من (ط).
  2. (٢) وهي جسم الإنسان. انظر: «نهاية الرتبة» للشيزري (٩٧).
1101

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي