مفتاح دار السعادة

والتَّنكيرُ كثيرًا ما يجيء للتَّعظيم والتَّفخيم، كقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].

* ثمَّ خَصَّ أولي الألباب، وهم أولو العقول التي عَقَلَت عن الله أمرَه ونهيَه وحكمتَه؛ إذ هم المنتفعون بالخطاب.

ووازِن بين هذه الكلمات وبين قولهم: «القتلُ أنفى للقتل»، تتبيَّنْ مقدارَ التَّفاوت وعظمةَ القرآن وجلالتَه١.

الوجه الرابع والخمسون: قولكم: «إنَّ القِصاصَ إتلافٌ بإزاء إتلاف، وعدوانٌ في مقابلة عدوان، ولا يحيا الأوَّلُ بقتل الثَّاني، ففيه تكثيرُ المفسدة بإعدام النَّفْسَيْن، وأمَّا مصلحةُ الرَّدع والزَّجر واستبقاء النَّوع فأمرٌ متوهَّم، وفي القِصاص استهلاكٌ محقَّق»٢.

فيقال: هذا الكلامُ من أفسد الكلام وأبينه بطلانًا؛ فإنه يتضمَّنُ التَّسويةَ بين القبيح الذي اتفقت العقولُ والدياناتُ على قُبحه وفساده، وبين الحسَن٣ الذي اتفقت العقولُ والدياناتُ على حُسْنه وصلاح الوجود به.

  1. (١) انظر: «النكت في إعجاز القرآن» للرماني (٧٧)، و«دلائل الإعجاز» (٢٨٩)، و«تحرير التحبير» (٤٦٨)، و«مقدمة تفسير ابن النقيب» (١٤٢)، و«سر الفصاحة» (٣١٢)، و«الصناعتين» (١٧٥)، و«الاعتقاد» للبيهقي (٣٤٩)، و«الإتقان» للسيوطي (١٣٩٥)، و«وحي القلم» للرافعي (٣/ ٣٩٧).
  2. (٢) انظر: (ص: ٩٨٧).
  3. (٣) من قوله: «الذي اتفقت» إلى هنا ساقط من (ت، ق)؛ لانتقال النظر. وتصرف ناشر (ط) فأثبت موضعه: «والحسن ونفي حسن القصاص».
1103

وهل يستوي في عقلٍ أو دينٍ أو فطرةٍ القتلُ ظلمًا وعدوانًا بغير حقٍّ والقتلُ قِصاصًا وجزاءً بالحقِّ؟!

ونظيرُ هذه التَّسوية١: تسويةُ المشركين بين الرِّبا والبيع؛ لاستوائهما في صورة العقد. ومعلومٌ أنَّ استواء الفعلَين في الصُّورة لا يُوجِبُ استواءهما في الحقيقة، ومدَّعي ذلك في غاية المكابرة.

وهل يدلُّ استواءُ السُّجود لله والسُّجود للصَّنم في الصُّورة الظَّاهرة ــ وهو وضعُ الجبهة على الأرض ــ على أنهما سواءٌ في الحقيقة، حتى يتحيَّر العقلُ بينهما، ويتعارضان فيه؟!

ويكفي في فساد هذا إطباقُ العقلاء قاطبةً على قُبح القتل الذي هو ظلمٌ وبغيٌ وعُدوان، وحُسْن القتل الذي هو جزاءٌ وقِصاصٌ ورَدْعٌ وزَجْر، والفرقُ بين هذين مثلُ الفرق بين الزِّنا والنكاح، بل أعظمُ وأظهَر، بل الفرقُ بينهما من جنس الفرق بين الإصلاح في الأرض والإفساد فيها، فما تَعارض في عقلٍ صحيحٍ قطُّ هذان الأمران حتى يتحيَّر بينهما أيهما يُؤثِرُه ويختارُه.

وقولكم: «إنه إتلافٌ بإزاء إتلاف، وعدوانٌ في مقابلة عدوان»، فكذلك هو، لكن إتلافٌ حسَن، هو مصلحةٌ وحكمةٌ وصلاحٌ للعالم، في مقابلة إتلافٍ هو فسادٌ وسَفَهٌ وخرابٌ للعالم، فأنَّى يستويان؟! أم كيف يعتدلان، حتى يتحيَّر العقلُ بين الإتلاف الحسَن وتَرْكِه؟!

وقولكم: «لا يحيا الأوَّلُ بقتل الثَّاني».

  1. (١) (ت): «المسألة».
1104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي