مفتاح دار السعادة

قلنا: يحيا به عددٌ كثيرٌ من النَّاس؛ إذ لو تُرِك ولم يُؤْخَذ على يديه لأهلكَ النَّاسُ بعضُهم بعضًا، فإن لم يكن في قتل الثَّاني حياةٌ للأوَّل، ففيه حياةٌ للعالَم، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ولكنَّ هذا المعنى لا يُدْرِكه حقَّ الإدراك إلا أولو الألباب.

فأين هذه الشريعةُ وهذه الحكمةُ وهذه المصلحةُ من هذا الهذيان الفاسد، وأن يقال: قتلُ الجاني إتلافٌ بإزاء إتلاف، وعدوانٌ في مقابلة عدوان، فيكونُ قبيحًا لولا الشَّرع؟!

فوازِن بين هذا وبين ما شرَعه الله وجَعَل مصالحَ عباده منُوطةً به.

وقولكم: «فيه تكثيرُ المفسدة بإعدام النَّفْسَيْن».

فيقال: لو أعطيتم رُتَبَ المصالح والمفاسد حقَّها لم ترتضوا بهذا الكلام الفاسد؛ فإنَّ الشرائعَ والفِطرَ والعقولَ متَّفقةٌ على تقديم المصلحة الراجحة، وعلى ذلك قام العالَم، وما نحن فيه كذلك؛ فإنه احتمالٌ لمفسدة إتلاف الجاني إلى هذه المفسدة العامَّة. فمن تحيَّر عقلُه بين هاتين المفسدتين فلِفَسادٍ فيه!

والعقلاء قاطبةً متَّفقون على أنه يحسُن إتلافُ جزءٍ لسلامة كلٍّ؛ كقطع الإصبع أو اليد المتأكِّلة لسلامة سائر البدن، وكذلك يحسُن الإيلامُ لدفع إيلامٍ أعظمَ منه؛ كقطع العُروق وبَطِّ الخُرَاج١ ونحوه، فلو طَرَد العقلاءُ قياسَكم هذا الفاسد، وقالوا: هذا إيلامٌ متحقِّقٌ لدفع إيلامٍ متوهَّم، لفَسَدَ البدنُ جملةً. ولا فرق عند العقول بين هذا وبين قياسكم في الفساد.

  1. (١) بَطَّ الجرحَ: شَقَّه. والخُراج (كالغُراب): ورمٌ يخرج في البدن. «اللسان».
1105

الوجه الخامس والخمسون: قولكم: «إنَّ مصلحةَ الرَّدع والزَّجر وإحياء النَّوع أمرٌ متوهَّم» = كلامٌ بيِّنٌ فسادُه، بل هو أمرٌ متحقِّقٌ وقوعُه عادةً، ويدلُّ عليه ما نشاهدُه من الفساد العامِّ عند ترك الجُناة والمفسدين وإهمالهم وعدم الأخذ على أيديهم، والمتوهِّم من زَعَمَ أنَّ ذلك موهوم.

وهو بمثابة من دَهَمه العدوُّ، فقال: لا نعرِّض أنفسَنا لمشقَّة قتالهم، فإنه مفسدةٌ متحقِّقة، وأمَّا استيلاؤهم على بلادنا وسَبْيُهم ذرارينا وقتلُ مقاتِلَتنا فموهومٌ!

فياليت شِعْري .. من الموهومُ١ المخطاء في وهمِه؟!

ونظيرُه أيضًا: أنَّ الرَّجلَ إذا تبيَّغ به الدَّم٢، واضطُرَّ إلى إخراجه، أن لا يَعْرِض لشَقِّ جِلْده وقَطْع عُروقه؛ لأنه ألمٌ محقَّقٌ لأمرٍ موهوم!

ولو طُرِدَ هذا القياسُ الفاسدُ لخَرِبَ العالم، وتعطَّلت الشرائع.

والاعتمادُ في طلب مصالح الدَّارين ودفع مفاسدهما مبنيٌّ على هذا الذي سمَّيتموه أنتم موهومًا؛ فالعُمَّالُ في الدُّنيا إنما يتصرَّفون بناءً على الغالب المعتاد الذي اطَّردت به العادة، وإن لم يجزموا به؛ فإنَّ الغالبَ صِدقُ العادة واطِّرادُها عند قيام أسبابها:

فالتَّاجرُ يحتمِلُ مشقَّةَ السَّفر في البرِّ والبحر بناءً على أنه يَسْلَمُ ويَغْنَم، فلو طَرَدَ هذا القياسَ الفاسد، وقال: «السَّفرُ مشقَّةٌ متحقِّقة، والكسبُ أمرٌ موهوم»، لتعطَّلت أسفارُ النَّاس بالكليَّة.

  1. (١) (ط): «الواهم».
  2. (٢) أي: هاجَ به، وذلك حين تظهرُ حمرتُه في البدن. «اللسان».
1106

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي