مفتاح دار السعادة

الوجه الخامس والخمسون: قولكم: «إنَّ مصلحةَ الرَّدع والزَّجر وإحياء النَّوع أمرٌ متوهَّم» = كلامٌ بيِّنٌ فسادُه، بل هو أمرٌ متحقِّقٌ وقوعُه عادةً، ويدلُّ عليه ما نشاهدُه من الفساد العامِّ عند ترك الجُناة والمفسدين وإهمالهم وعدم الأخذ على أيديهم، والمتوهِّم من زَعَمَ أنَّ ذلك موهوم.

وهو بمثابة من دَهَمه العدوُّ، فقال: لا نعرِّض أنفسَنا لمشقَّة قتالهم، فإنه مفسدةٌ متحقِّقة، وأمَّا استيلاؤهم على بلادنا وسَبْيُهم ذرارينا وقتلُ مقاتِلَتنا فموهومٌ!

فياليت شِعْري .. من الموهومُ١ المخطاء في وهمِه؟!

ونظيرُه أيضًا: أنَّ الرَّجلَ إذا تبيَّغ به الدَّم٢، واضطُرَّ إلى إخراجه، أن لا يَعْرِض لشَقِّ جِلْده وقَطْع عُروقه؛ لأنه ألمٌ محقَّقٌ لأمرٍ موهوم!

ولو طُرِدَ هذا القياسُ الفاسدُ لخَرِبَ العالم، وتعطَّلت الشرائع.

والاعتمادُ في طلب مصالح الدَّارين ودفع مفاسدهما مبنيٌّ على هذا الذي سمَّيتموه أنتم موهومًا؛ فالعُمَّالُ في الدُّنيا إنما يتصرَّفون بناءً على الغالب المعتاد الذي اطَّردت به العادة، وإن لم يجزموا به؛ فإنَّ الغالبَ صِدقُ العادة واطِّرادُها عند قيام أسبابها:

فالتَّاجرُ يحتمِلُ مشقَّةَ السَّفر في البرِّ والبحر بناءً على أنه يَسْلَمُ ويَغْنَم، فلو طَرَدَ هذا القياسَ الفاسد، وقال: «السَّفرُ مشقَّةٌ متحقِّقة، والكسبُ أمرٌ موهوم»، لتعطَّلت أسفارُ النَّاس بالكليَّة.

  1. (١) (ط): «الواهم».
  2. (٢) أي: هاجَ به، وذلك حين تظهرُ حمرتُه في البدن. «اللسان».
1106

وكذلك عُمَّالُ الآخرة، لو قالوا: «تعبُ العملِ ومشقَّتُه أمرٌ متحقِّق، وحُسْنُ الخاتمة أمرٌ موهوم»، لعطَّلوا الأعمالَ جملة.

وكذلك الأُجَراءُ والصُّنَّاعُ والملوكُ والجندُ وكلُّ طالب أمرٍ من الأمور الدُّنيويَّة أو الأخرويَّة، لولا بناؤه على الغالب وما جرت به العادةُ لما احتَمل المشقَّة المتيقَّنة لأمرٍ منتَظر.

ومِنْ هاهنا قيل: إنَّ إنكار هذه المسألة يستلزمُ تعطيلَ الدُّنيا والآخرة من وجوهٍ متعدِّدة.

الوجه السادس والخمسون: قولكم: «ويعارضُه معنًى ثالثٌ وراءهما فيفكِّر العقلُ: أيراعِي شروطًا أخرى وراء مجرَّد الإنسانية، من العقل والبلوغ، والعلم والجهل، والكمال والنَّقص، والقَرابة والأجنبية، فيتحيَّر العقلُ كلَّ التحيُّر، فلا بدَّ إذَن من شارعٍ يفصِّلُ هذه الخُطَّة، ويعيِّنُ قانونًا يطَّردُ عليه أمرُ الأمَّة، وتستقيمُ عليه مصالحهم»١.

فيقال: لا ريبَ أنَّ الشرائعَ تأتي بما لا تستقلُّ العقولُ بإدراكه، فإذا جاءت به الشريعةُ اهتدى العقلُ٢ حينئذٍ إلى وجه حُسْن مأموره وقُبح منهيِّه، فنبَّهَته٣ الشريعةُ على وجه الحكمة والمصلحة الباعثَين لشرعه.

فهذا مما لا يُنْكَر.

وهذا الذي قلنا فيه: إنَّ الشرائعَ تأتي بمَحَارات العقول لا بمُحَالات

  1. (١) انظر: (ص: ٩٨٧).
  2. (٢) (ت): «جاءت به الشرائع اهتدى به العقل».
  3. (٣) في الأصول: «فسرته». وفي طرة (د): «لعله: فنبهته». وهو ما أثبت.
1107

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي