مفتاح دار السعادة

والثَّاني: ما حُسْنُه معلومٌ بنظر العقل وفكره وتأمُّله، فلا يهتدي إليه إلا الخواصُّ، وهو ما اشترط اقتضاء هذا الوصف، أو جُعِل تابعًا له.

فاشترط له المكافأة في الدِّين؛ وهذا في غاية المراعاة للحكمة والمصلحة؛ فإنَّ الدِّين هو الذي فرَّق بين النَّاس في العِصمة، وليس في حكمة الله وحُسْن شرعِه أن يجعل دمَ وليِّه، وعبده، وأحبِّ خلقه إليه، وخير بريَّته، ومن خَلَقَه لنفسِه، واختصَّه بكرامته، وأهَّله لجواره في جنَّته، والنَّظر إلى وجهه، وسماع كلامه في دار كرامته= كَدَم عدوِّه، وأمقَتِ خلقِه إليه، وشرِّ بريَّته، والعادِل به١، العادِل٢ عن عبادته إلى عبادة الشيطان، الذي خَلَقه للنَّار، وللطَّرد عن بابه، والإبعاد عن رحمته.

وبالجملة؛ فحاشا حكمتَه أن تسوِّي بين دماء خير البريَّة ودماء شرِّ البريَّة في أخذِ هذه بهذه، سيَّما وقد أباح لأوليائه دماءَ أعدائه وجَعَلهم قرابينَ لهم، وإنما اقتضت حكمتُه أن يكفُّوا عنهم إذا صاروا تحت قَهْرهم وإذلالهم كالعبيد لهم، يؤدُّون إليهم الجِزيةَ التي هي خَراجُ رؤوسِهم٣، مع بقاء السَّبب المُوجِب لإباحة دمائهم.

وهذا التَّركُ والكفُّ لا يقتضي استواءَ الدَّمَيْن عقلًا، ولا شرعًا، ولا مصلحة. ولا ريبَ أنَّ الدَّمَيْن قبل القهر والإذلال لم يكونا بمستويَيْن؛ لأجل الكفر، فأيُّ

  1. (١) أي: المسوِّي به غيرَه. قال سبحانه: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. وانظر: «زاد المعاد» (٣/ ٢٢٩)، و«المدارج» (١/ ٣٤١)، و«إعلام الموقعين» (٢/ ٢٧).
  2. (٢) ليست في (ت، ق).
  3. (٣) ويسمى: مال الجماجم. انظر: «مفاتيح العلوم» (٤٠).
1109

مُوجِبٍ لاستوائهما بعد الاستذلال، والكفرُ قائمٌ بعينِه؟! فهل في الحكمة وقواعد الشريعة ومُوجَبات العقول أن يكون الإذلالُ والقهرُ للكافر مُوجِبًا لمساواة دمه لدم المسلم؟! هذا مما تأباهُ الحكمةُ والمصلحةُ والعقول.

وقد أشار ﷺ إلى هذا المعنى، وكَشَف الغطاء، وأوضحَ المُشْكِل، بقوله: «المسلمون تتكافأُ دماؤهم»١، أو قال: «المؤمنون ...»٢؛ فعلَّق المكافأة بوصفٍ لا يجوزُ إلغاؤه وإهدارُه وتعليقُها بغيره؛ إذ يكونُ إبطالًا لما اعتبره الشارعُ واعتبارًا لما أبطَله، فإذا علَّق المكافأةَ بوصف الإيمان كان كتعليقه سائرَ الأحكام بالأوصاف؛ كتعليق القَطْع بوصف السَّرقة، والرَّجم بوصف الزِّنا، والجَلْدِ بوصف القَذف والشُّرب، ولا فرقَ بينهما أصلًا.

فكلُّ من علَّق الأحكامَ بغير الأوصاف التي علَّقها به الشارعُ كان تعليقُه منقطعًا مُنْصَرِمًا، وهذا مما اتفق أئمَّةُ الفقهاء على صحَّته.

فقد أدَّى نظرُ العقل إلى أنَّ دَمَ عدوِّ الله الكافر لا يساوي دَمَ وَلِيِّه، ولا يكافئه أبدًا، وجاء الشرعُ بمُوجَبه، فأيُّ معارضةٍ هاهنا؟! وأيُّ حَيْرة؟! إن هو إلا بصيرةٌ على بصيرة، ونورٌ على نور.

  1. (١) أخرجه أبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥)، وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بإسنادٍ حسن.
    وخرَّجه ابن الجارود في «المنتقى» (٧٧١، ١٠٧٣).
    وأخرجه الطياليسي (٢٣٧٢) بلفظ: «المؤمنون تتكافأ ...».
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٤٦)، وأحمد (١/ ١١٩)، وغيرهم من طرقٍ عن علي. وصححه الحاكم (٢/ ١٤١) ولم يتعقبه الذهبي.
    وصححه ابن حبان (٥٩٩٦) من حديث ابن عمر.
1110

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي