مفتاح دار السعادة

مُوجِبٍ لاستوائهما بعد الاستذلال، والكفرُ قائمٌ بعينِه؟! فهل في الحكمة وقواعد الشريعة ومُوجَبات العقول أن يكون الإذلالُ والقهرُ للكافر مُوجِبًا لمساواة دمه لدم المسلم؟! هذا مما تأباهُ الحكمةُ والمصلحةُ والعقول.

وقد أشار ﷺ إلى هذا المعنى، وكَشَف الغطاء، وأوضحَ المُشْكِل، بقوله: «المسلمون تتكافأُ دماؤهم»١، أو قال: «المؤمنون ...»٢؛ فعلَّق المكافأة بوصفٍ لا يجوزُ إلغاؤه وإهدارُه وتعليقُها بغيره؛ إذ يكونُ إبطالًا لما اعتبره الشارعُ واعتبارًا لما أبطَله، فإذا علَّق المكافأةَ بوصف الإيمان كان كتعليقه سائرَ الأحكام بالأوصاف؛ كتعليق القَطْع بوصف السَّرقة، والرَّجم بوصف الزِّنا، والجَلْدِ بوصف القَذف والشُّرب، ولا فرقَ بينهما أصلًا.

فكلُّ من علَّق الأحكامَ بغير الأوصاف التي علَّقها به الشارعُ كان تعليقُه منقطعًا مُنْصَرِمًا، وهذا مما اتفق أئمَّةُ الفقهاء على صحَّته.

فقد أدَّى نظرُ العقل إلى أنَّ دَمَ عدوِّ الله الكافر لا يساوي دَمَ وَلِيِّه، ولا يكافئه أبدًا، وجاء الشرعُ بمُوجَبه، فأيُّ معارضةٍ هاهنا؟! وأيُّ حَيْرة؟! إن هو إلا بصيرةٌ على بصيرة، ونورٌ على نور.

  1. (١) أخرجه أبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥)، وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بإسنادٍ حسن.
    وخرَّجه ابن الجارود في «المنتقى» (٧٧١، ١٠٧٣).
    وأخرجه الطياليسي (٢٣٧٢) بلفظ: «المؤمنون تتكافأ ...».
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٤٦)، وأحمد (١/ ١١٩)، وغيرهم من طرقٍ عن علي. وصححه الحاكم (٢/ ١٤١) ولم يتعقبه الذهبي.
    وصححه ابن حبان (٥٩٩٦) من حديث ابن عمر.
1110

وليس هذا مكانَ استيعاب الكلام على هذه المسألة١، وإنما الغرض التَّنبيهُ على أنَّ في صريح العقل الشهادةَ لما جاء به الشرعُ فيها.

فصل

وعكسُ هذا أنه لم يَشْترط المكافأةَ في علمٍ وجهل، ولا في كمالٍ وقُبح، ولا في شَرَفٍ وضَعَة، ولا في عقلٍ وجنون، ولا في أجنبيَّةٍ وقَرابة، خلا الوالدَ والولد.

وهذا من كمال الحكمة وتمام النِّعمة، وهو في غاية المصلحة؛ إذ لو رُوعِيَت هذه الأمورُ لتعطَّلت مصلحةُ القِصاص إلا في النَّادر البعيد؛ إذ قلَّ أن يستوي شخصان من كلِّ وجه، بل لا بدَّ من التَّفاوت بينهما في هذه الأوصافِ أو في بعضها؛ فلو أنَّ الشريعة جاءت بأن لا يُقْتَصَّ إلا مِنْ مُكافاءٍ مِنْ كلِّ وجه، لفسدَ العالَم، وعَظُمَ الهَرْج، وانتشر الفساد. ولا يجوزُ على عاقلٍ وضعُ هذه السِّياسة الجائرة، وواضِعُها إلى السَّفه أقربُ منه إلى الحكمة، فلا جَرَمَ أهدَرَت الشَّرائعُ اعتبارَ ذلك٢.

وأمَّا الولدُ والوالدُ فمَنَعَ من جَرَيان القِصاص بينهما حقيقةُ البعضيَّة والجُزئيَّة٣ التي بينهما؛ فإنَّ الولد جزءٌ من الوالد، ولا يُقْتَصُّ لبعض أجزاء الإنسان من بعض، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ

  1. (١) انظر: «التقريب لعلوم ابن القيم» (٣٥١)، و«أحكام الجناية على النفس» للشيخ بكر أبو زيد (١٦٧ - ١٧٣).
  2. (٢) في الأصول: «(د: أهدررتك، ق: أهدتك، ت: أهدرتك) شرائع الاعتبار ذلك». والأشبه ما أثبت.
  3. (٣) (د): «والجزوية». بتسهيل الهمز. وانظر ما مضى (ص: ١٠٠٠).
1111

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي