مفتاح دار السعادة

وليس هذا مكانَ استيعاب الكلام على هذه المسألة١، وإنما الغرض التَّنبيهُ على أنَّ في صريح العقل الشهادةَ لما جاء به الشرعُ فيها.

فصل

وعكسُ هذا أنه لم يَشْترط المكافأةَ في علمٍ وجهل، ولا في كمالٍ وقُبح، ولا في شَرَفٍ وضَعَة، ولا في عقلٍ وجنون، ولا في أجنبيَّةٍ وقَرابة، خلا الوالدَ والولد.

وهذا من كمال الحكمة وتمام النِّعمة، وهو في غاية المصلحة؛ إذ لو رُوعِيَت هذه الأمورُ لتعطَّلت مصلحةُ القِصاص إلا في النَّادر البعيد؛ إذ قلَّ أن يستوي شخصان من كلِّ وجه، بل لا بدَّ من التَّفاوت بينهما في هذه الأوصافِ أو في بعضها؛ فلو أنَّ الشريعة جاءت بأن لا يُقْتَصَّ إلا مِنْ مُكافاءٍ مِنْ كلِّ وجه، لفسدَ العالَم، وعَظُمَ الهَرْج، وانتشر الفساد. ولا يجوزُ على عاقلٍ وضعُ هذه السِّياسة الجائرة، وواضِعُها إلى السَّفه أقربُ منه إلى الحكمة، فلا جَرَمَ أهدَرَت الشَّرائعُ اعتبارَ ذلك٢.

وأمَّا الولدُ والوالدُ فمَنَعَ من جَرَيان القِصاص بينهما حقيقةُ البعضيَّة والجُزئيَّة٣ التي بينهما؛ فإنَّ الولد جزءٌ من الوالد، ولا يُقْتَصُّ لبعض أجزاء الإنسان من بعض، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ

  1. (١) انظر: «التقريب لعلوم ابن القيم» (٣٥١)، و«أحكام الجناية على النفس» للشيخ بكر أبو زيد (١٦٧ - ١٧٣).
  2. (٢) في الأصول: «(د: أهدررتك، ق: أهدتك، ت: أهدرتك) شرائع الاعتبار ذلك». والأشبه ما أثبت.
  3. (٣) (د): «والجزوية». بتسهيل الهمز. وانظر ما مضى (ص: ١٠٠٠).
1111

جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، وهو قولهم: «الملائكةُ بناتُ الله»؛ فدلَّ على أنَّ الولدَ جزءٌ من والده.

وعلى هذا الأصل امتَنَعَت شهادتُه له، وقطعُه بالسَّرقة من ماله، وحَدُّه إياهُ١ على قَذْفِه.

وعن هذا الأصل ذهبَ كثيرٌ من السَّلف ــ ومنهم الإمامُ أحمدُ وغيره ــ إلى أنَّ له أن يتملَّك ما شاء من مال ولده، وهو كالمباح في حقِّه.

وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً بأدلَّتها، وبيَّنَّا دلالةَ القرآن عليها من وجوهٍ متعدِّدةٍ في غير هذا الموضع٢.

وهذا المأخذُ أحسنُ من قولهم: إنَّ الأبَ لمَّا كان هو السَّببَ في إيجاد الولد، فلا يكونُ الولدُ سببًا في إعدامه.

وفي المسألة مسلكٌ آخر، وهو مسلكٌ قويٌّ جدًّا، وهو أنَّ الله سبحانه جَعَل في قلب الوالد من الشَّفقة على ولده والحرص على حياتِه ما يُوازِي شفقتَه على نفسِه وحرصَه على حياة نفسِه، وربَّما يزيدُ على ذلك، فقد يُؤثِرُ الرَّجلُ حياةَ ولده على حياته، وكثيرًا ما يَحْرِمُ الرَّجلُ نفسَه حُظوظَها ويُؤثِرُ بها ولدَه، وهذا القَدْرُ مانعٌ من كونه يريدُ إعدامَه وإهلاكَه، بل لا يَقْصِدُ في الغالب إلا تأديبَه وعقوبتَه على إساءته؛ فلا يقعُ قتلُه في الأغلب عن قصدٍ وتعمُّد، بل عن خطأٍ وسَبْقِ يَدٍ.

وإذا وقعَ ذلك غلطًا أُلْحِقَ بالقتل الذي لم يُقْصَد به إزهاقُ النَّفس،

  1. (١) (ق، د): «أباه». وهو تحريف.
  2. (٢) انظر: «التقريب لعلوم ابن القيم» (٢٨٦).
1112

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي