مفتاح دار السعادة

جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، وهو قولهم: «الملائكةُ بناتُ الله»؛ فدلَّ على أنَّ الولدَ جزءٌ من والده.

وعلى هذا الأصل امتَنَعَت شهادتُه له، وقطعُه بالسَّرقة من ماله، وحَدُّه إياهُ١ على قَذْفِه.

وعن هذا الأصل ذهبَ كثيرٌ من السَّلف ــ ومنهم الإمامُ أحمدُ وغيره ــ إلى أنَّ له أن يتملَّك ما شاء من مال ولده، وهو كالمباح في حقِّه.

وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً بأدلَّتها، وبيَّنَّا دلالةَ القرآن عليها من وجوهٍ متعدِّدةٍ في غير هذا الموضع٢.

وهذا المأخذُ أحسنُ من قولهم: إنَّ الأبَ لمَّا كان هو السَّببَ في إيجاد الولد، فلا يكونُ الولدُ سببًا في إعدامه.

وفي المسألة مسلكٌ آخر، وهو مسلكٌ قويٌّ جدًّا، وهو أنَّ الله سبحانه جَعَل في قلب الوالد من الشَّفقة على ولده والحرص على حياتِه ما يُوازِي شفقتَه على نفسِه وحرصَه على حياة نفسِه، وربَّما يزيدُ على ذلك، فقد يُؤثِرُ الرَّجلُ حياةَ ولده على حياته، وكثيرًا ما يَحْرِمُ الرَّجلُ نفسَه حُظوظَها ويُؤثِرُ بها ولدَه، وهذا القَدْرُ مانعٌ من كونه يريدُ إعدامَه وإهلاكَه، بل لا يَقْصِدُ في الغالب إلا تأديبَه وعقوبتَه على إساءته؛ فلا يقعُ قتلُه في الأغلب عن قصدٍ وتعمُّد، بل عن خطأٍ وسَبْقِ يَدٍ.

وإذا وقعَ ذلك غلطًا أُلْحِقَ بالقتل الذي لم يُقْصَد به إزهاقُ النَّفس،

  1. (١) (ق، د): «أباه». وهو تحريف.
  2. (٢) انظر: «التقريب لعلوم ابن القيم» (٢٨٦).
1112

فأسبابُ التُّهمة والعداوة الحاملة على القتل لا تكادُ توجدُ في الآباء، وإن وُجِدَت نادرًا فالعبرةُ بما اطَّردَت عليه عادةُ الخليقة.

وهنا للنَّاس طريقان:

أحدهما: أنَّا إذا تحقَّقنا التُّهمةَ وقصدَ القتلِ والإزهاق، بأن يُضْجِعَه ويذبحه ــ مثلًا ــ، أجرَينا القِصاصَ١ بينهما؛ لتحقُّق قصدِ الجناية، وانتفاءِ المانع من القصاص. وهذا قولُ أهل المدينة٢.

والثَّاني: أنه لا يجري القِصاصُ بينهما بحال، وإن تحقَّق قصدُ القتل؛ لمكان الجُزئيَّة والبعضيَّة المانعة من الاقتصاص من بعض أجزاء الإنسان لبعضه. وهو قولُ الأكثرين٣.

ولا يَرِدُ عليهم قتلُ الولد بوالده، وإن كان بعضَه؛ لأنَّ الأبَ لم يُخْلَق من نطفة الابن، فليس الأبُ بجزءٍ له حقيقةً ولا حكمًا، بخلاف الولد فإنه جزءٌ حقيقةً.

وليس هذا موضعَ استقصاء الكلام على هذه المسائل؛ إذ المقصودُ بيانُ اشتمالها على الحِكَم والمصالح التي يُدْرِكُها العقلُ وإن لم يَسْتَقِلَّ بها، فجاءت الشريعةُ بها مقرِّرةً لما استقرَّ في العقل إدراكُه ولو من بعض الوجوه.

  1. (١) «القصاص» ساقطة من (ق).
  2. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» (١٤/ ٣٣)، و«التفريع» (٢/ ٢١٧)، و«عقد الجواهر الثمينة» (١٠٩٦).
  3. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء للطحاوي» للجصاص (٥/ ١٠٦)، و«المغني» (١١/ ٤٨٣).
1113

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي