وبعد النُّزول عن هذا المقام، فأقصى ما فيه أن يقال: إنَّ الشريعة جاءت بما يَعْجَزُ العقلُ عن إدراكه، لا بما يُحِيلُه العقل، ونحن لا ننكرُ ذلك، ولكن لا يَلْزَمُ منه نفيُ الحِكَم والمصالح التي اشتملت عليها الأفعالُ في ذواتها، والله أعلم.
الوجه الثَّامن والخمسون: قولكم: «وظَهَرَ بهذا أنَّ المعاني المستنبطةَ راجعةٌ إلى مجرَّد استنباط العقل، ووضعِ الذِّهن، من غير أن يكون الفعلُ مشتملًا عليها»١ = كلامٌ في غاية الفساد والبطلان، لا يرتضيه أهلُ العلم والإنصاف، وتصوُّره حقَّ التصوُّر كافٍ في الجزم ببطلانه من وجوهٍ عديدة:
أحدها: أنَّ العقلَ والفطرةَ يشهدان ببطلانه، والوجود يكذِّبه؛ فإنَّ أكثر المعاني المستنبطة من الأحكام ليست من أوضاع الأذهان المجرَّدة عن اشتمال الأفعال عليها، ومُدَّعِي ذلك في غاية المكابرة التي لا تُجْدِي عليه إلا تَوْهِينَ المقالة.
وهذه المعاني المستنبطةُ من الأحكام موجودةٌ مشهودة، يعلمُ العقلاءُ أنها ليست من أوضاع الذِّهن، بل الذِّهنُ أدركها وعَلِمَها، وكان نسبةُ الذِّهن إلى إدراكها كنسبة البصر إلى إدراك الألوان وغيرها، وكنسبة السَّمع إلى إدراك الأصوات، وكنسبة الذَّوق إلى إدراك الطُّعوم، والشَّمِّ إلى إدارك الرَّوائح، فهل يسوغُ لعاقلٍ أن يدَّعيَ أنَّ هذه المُدْرَكاتِ من أوضاع الحواسِّ؟!
وكذلك العقلُ إذا أدرَك ما اشتملَ عليه الكذبُ والفجورُ وخرابُ العالم
(١) انظر: (ص: ٩٨٧).
والظُّلمُ وإهلاكُ الحرث والنَّسل والزِّنا بالأمَّهات وغيرُ ذلك من القبائح، وأدرَك ما اشتملَ عليه الصِّدقُ والبِرُّ والإحسانُ والعدلُ وشُكرانُ المُنعِم والعِفَّةُ وفعلُ كلِّ جميلٍ من الحُسْن= لم تكن تلك المعاني التي اشتملت عليها هذه الأفعالُ مجرَّدَ وضع الذِّهن واستنباط العقل، ومُدَّعِي ذلك مَؤُوفٌ١ في عقله؛ فإنَّ المعاني التي اشتملت عليها المنهيَّاتُ المُوجِبةُ لتحريمها أمورٌ ناشئةٌ من الأفعال ليست أوضاعًا ذهنيَّة، والمعاني التي اشتملت عليها المأموراتُ المُوجِبةُ لحُسْنها ليست مجرَّدَ أوضاعٍ ذهنيَّة، بل أمورٌ حقيقيَّةٌ ناشئةٌ من ذوات الأفعال تَرتُّبُ آثارِها عليها كترتُّب آثار الأدوية والأغذية عليها.
وما نظيرُ هذه المقالة إلا مقالةُ من يزعمُ أنَّ القُوى والآثار المستنبطة من الأغذية والأدوية لا حقيقة لها، إنما هي أوضاعٌ ذهنيَّة! ومعلومٌ أنَّ هذا بابٌ من السَّفْسَطة٢.
فاعْرِض معاني الشريعة الكليَّة على عقلك، وانظر ارتباطَها بأفعالها وتعلُّقَها بها، ثمَّ تأمَّل هل تجدُها أمورًا حقيقيةً تنشأ من الأفعال، فإذا فُعِل الفعلُ نَشَأ منه أثرُه، أو تجدُها أوضاعًا ذهنيَّةً لا حقيقة لها؟
وإذا أردتَ معرفةَ بطلان المقالة فكرِّر النَّظر في أدلَّتها، فأدلَّتُها من أكبر الشواهد على بطلانها، بل العاقلُ يستغني بأدلة الباطل عن إقامة الدَّليل على بطلانه، بل نفسُ دليله هو دليلُ بطلانه.
(١) أصابته آفة. وفي (د): «مقرز». (ق، ت): «مقرر». وهو تحريف. وانظر: «الصواعق المرسلة» (٧٢٩، ٩١٦).
(٢) وهي عبارةٌ عن جحد الحقائق. كما تقدم (ص: ١٠١٩).