مفتاح دار السعادة

الوجه الثَّاني: أنَّ استنباطَ العقول ووضعَ الأذهان لما لا حقيقة له من باب الخيالات والتَّقديرات التي لا يترتَّبُ عليها علمٌ ولا معلوم، ولا صلاحٌ ولا فساد؛ إذ هي خيالاتٌ مجرَّدة، وأوهامٌ مقدَّرة؛ كوضعِ الذِّهن سائرَ ما يضعُه من المقدِّرات الذِّهنيَّة.

ومعلومٌ أنَّ المعاني المستنبطة من الأحكام هي من أجلِّ العلوم، ومعلومُها من أشرف المعلومات وأنفعها للعباد، وهي منشأُ مصالحهم في معاشهم ومعادهم، وترتُّبُ آثارها عليها مشهودٌ في الخارج، معقولٌ في الفِطر، قائمٌ في المعقول، فكيف يُدَّعى أنه مجرَّدُ وضعٍ ذهنيٍّ لا حقيقة له به؟!

الوجه الثَّالث: أنَّ استنباطَ الذِّهن لما يستنبطُه من المعاني، واعتقادَه أنَّ الأفعال مشتملةٌ عليها، مع كون الأمر ليس كذلك= جهلٌ مركَّب، واعتقادٌ باطل؛ فإنه إذا اعتقد أنَّ الأفعال مشتملةٌ على تلك المعاني، وأنها مَنْشَؤها، وليس كذلك؛ كان اعتقادًا للشيء بخلاف ما هو به. وهذا غايةُ الجهل.

فكيف يُدَّعى هذا في أشرف العلوم وأزكاها وأنفعها وأعظمها تضمُّنًا لمصالح العباد في المعاش والمعاد؟! وهل هو إلا لُبُّ الشريعة ومضمونُها؟! فكيف يَسُوغُ أن يُدَّعى فيها هذا الباطلُ ويُرمى بهذا البهتان؟!

وبالجملة؛ فبطلانُ هذا القول أظهرُ من أن يُتَكلَّفَ ردُّه، ولم يقل هذا القولَ من شَمَّ للفقه رائحةً أصلًا.

الوجه التَّاسع والخمسون: قولكم: «لو كانت صفاتٍ نفسيَّةً للفعل لَزِمَ من ذلك أن تكون الحركةُ الواحدةُ مشتملةً على صفاتٍ متناقضةٍ وأحوالٍ متنافرة»١.

  1. (١) انظر: (ص: ٩٨٧).
1116

فيقال: وما الذي يُحِيلُ أن يكون الفعلُ مشتملًا على صفتَين مختلفتَين تقتضي كلُّ منهما أثرًا غيرَ الأثر الآخر، وتكونُ إحدى الصِّفتَين والأثرَين أولى به، تكونُ مصلحتُه أرجح، فإذا رُتِّبَ على صفته الأخرى أثرُها فاتت المصلحةُ الراجحةُ المطلوبةُ شرعًا وعقلًا؟!

بل هذا هو الواقع، ونحن نجدُ هذا حِسًّا في قُوى الأغذية والأدوية ونحوها من صفات الأجسام الحِسِّية المُدْرَكة بالحِسِّ، فكيف بصفات الأفعال المُدْرَكة بالعقل؟

وأمثلةُ ذلك في الشريعة تزيدُ على الألْف.

فهذه الصَّلاةُ في وقت النهي: فيها مصلحةُ تكثير العبادة، وتحصيل الأرباح، ومزيد الثَّواب، والتقرُّب إلى ربِّ الأرباب، وفيها مفسدةُ المشابهة الصُّوريَّة١ بالكفَّار وعُبَّاد الشمس٢، وفي تركها مصلحةُ سَدِّ ذريعة الشِّرك، وفَطْم النُّفوس عن المشابهة بالكفَّار٣ حتى في وقت العبادة.

وكانت هذه المفسدةُ أولى بالصَّلاة في أوقات النهي من مصلحتها، فلو شُرِعَت لما فيها من المصلحة لفاتت مصلحةُ التَّرك، وحَصَلت مفسدةُ المشابهة التي هي أقوى من مصلحة الصَّلاة حينئذ.

ولمَّا٤ كانت مصلحةُ أداء الفرائض في هذه الأوقات أرجحَ من

  1. (١) ليست في (ت، ق).
  2. (٢) (ق): «بالكفار في عبادة الشمس». وانظر: «زاد المعاد» (٤/ ٧٨)، و«الداء والدواء» (٣٠٩).
  3. (٣) سقط من (ت) من الموضع الأول إلى هنا؛ لانتقال نظر الناسخ.
  4. (٤) في الأصول: «ولهذا». وهو تحريف.
1117

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي