مفتاح دار السعادة

مفسدة المشابهة، بحيث انغمَرَت هذه المفسدةُ بالنسبة إلى الفريضة= لم يُمْنَع منها، بخلاف النَّافلة؛ فإنَّ في فعلها في غير هذه الأوقات غُنْيةً عن فعلها فيها، فلا تفُوتُ مصلحتُها، فيقعُ فعلُها في وقت النهي مفسدةً راجحة.

ومِنْ هاهنا جوَّز كثيرٌ من الفقهاء ذواتِ الأسباب في وقت النهي؛ لتَرجُّح مصلحتها؛ فإنها لا تُقْضى، ولا يمكنُ تداركُها، وكانت مفسدةُ تفويتها أرجحَ من مفسدة المشابهة المذكورة.

وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة١.

فما الذي يُحِيلُ اشتمالَ الحركة الواحدة على صفاتٍ مختلفةٍ بهذه المثابة، ويكونُ بعضها أرجحَ من بعض، فيُقْضى للرَّاجح عقلًا وشرعًا؟!

وعلى هذا المثال مسائلُ عامَّة الشريعة، ولولا الإطالةُ لكتبنا منها ما يبلغُ ألفَ مثال، والعالمُ ينتبهُ للجزئيَّات بالقاعدة الكليَّة.

الوجه الستُّون: قولكم: «وليس معنى قولنا: إنَّ العقلَ استنبطَ منها أنها كانت موجودةً في الشيء فاستخرجَها العقل، بل العقلُ تردَّد بين إضافات الأحوال بعضِها إلى بعض، ونِسَبِ الحركات والأشخاص نوعًا إلى نوع، وشخصًا إلى شخص، فطَرأ عليه من تلك المعاني ما حكيناه، وربَّما يبلُغ مبلغًا يَشِذُّ عن الإحصاء، فعُرِفَ أنَّ المعاني لم تَرجِع إلى الذَّات، بل إلى مجرَّد الخواطر، وهي متعارضة»٢.

  1. (١) انظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ١٦١، ٣٤٢)، و«روضة المحبين» (١٣٤)، و«مجموع الفتاوى» (١/ ١٦٤، ٢٣/ ١٨٦ - ٢١٧).
  2. (٢) انظر: (ص: ٩٨٧).
1118

فيقال: يا عجبًا لعقلٍ يَرُوجُ عليه مثلُ هذا الكلام، ويبني عليه مثلَ هذه القاعدة العظيمة! وذلك بناءٌ على شَفَا جُرُفٍ هار.

وقد تقدَّم ما يكفي في بطلان هذا الكلام، ونزيدُ هاهنا أنه كلامٌ فاسدٌ لفظًا ومعنًى؛ فإنَّ الاستنباط هو استخراجُ الشيء الثَّابت الخفيِّ الذي لا يَعْثُر عليه كلُّ أحد، ومنه: استنباطُ الماء؛ وهو استخراجُه من موضعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، أي: يستخرجون حقيقتَه وتدبيرَه بفطنتهم وذكائهم وإيمانهم ومعرفتهم بمواطن الأمن والخوف.

ولا يصحُّ معنًى إلا في شيءٍ ثابتٍ له حقيقةٌ خفيَّةٌ يستنبطُها الذِّهنُ ويستخرجُها، فأمَّا ما لا حقيقة له فإنه مجرَّدٌ ذِهنيٌّ١، فلا استنباط فيه بوجه، وأيُّ شيءٍ يُسْتَنْبَطُ منه؟! وإنما هو تقديرٌ وفَرْض، وهذا لا يسمَّى استنباطًا في عقلٍ ولا لغة.

وحينئذٍ، فيُقْلَبُ الكلامُ عليكم، ويكون من يَقْلِبُه أسعدَ بالحقِّ منكم، فنقول: وليس معنى قولنا: «إنَّ العقلَ استنبط من تلك الأفعال» أنَّ ذلك مجرَّدُ خواطرَ طارئة، وإنما معناه أنها كانت موجودةً في الأفعال، فاستخرجَها العقلُ باستنباطِه، كما يُسْتَخْرَجُ الماءُ الموجودُ في الأرض باستنباطِه. ومعلومٌ أنَّ هذا هو المعقولُ المُطابِقُ للعقل واللُّغة، وما ذكرتموه فخارجٌ عن العقل واللغة جميعًا.

فعُرِفَ أنه لا يصحُّ معنى الاستنباط إلا لشيءٍ موجودٍ يستخرجُه العقل،

  1. (١) في الأصول: «مجرد ذهنه». تحريف. وانظر: «الصواعق المرسلة» (١٣٢٤).
1119

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي