مفتاح دار السعادة

فأيُّ تعطيلٍ ورفعٍ للشرائع أكثرُ من هذا؟!

فهذا إلزامُهم لكم، كما أنكم ألزمتموهم نظيرَ ذلك في نفي صفة الكلام، وأنصفتموهم في الإلزام.

الوجه الحادي والستُّون: قولكم: «لو ثبت الحُسن والقُبح العقليَّين١ لتعلَّق بهما الإيجابُ والتَّحريمُ شاهدًا وغائبًا، واللازمُ محال، فالملزومُ كذلك ...» إلى آخره٢.

فنقول: الكلام هاهنا في مقامين:

أحدهما: في التَّلازُم المذكور بين الحُسْن والقُبح العقليَّين، وبين الإيجاب والتَّحريم غائبًا.

والثَّاني: في انتفاء اللازم وثبوته.

* فأمَّا المقام الأوَّل، فلمُثْبتي الحُسْن والقُبح طريقان:

أحدهما: ثبوتُ التَّلازُم والقولُ باللازم، وهذا القولُ هو المعروفُ عن المعتزلة، وعليه يُناظِرون، وهو القولُ الذي نَصَبَ خصومُهم الخلافَ معهم فيه.

والقول الثَّاني: إثباتُ الحُسْن والقُبح٣، فإنهم يقولون بإثباته، ويصرِّحون بنفي الإيجاب قبل الشَّرع على العبد، وبنفي إيجاب العقل على الله شيئًا البتَّة؛ كما صرَّح به كثيرٌ من الحنفيَّة، والحنابلة كأبي الخطَّاب

  1. (١) كذا في الأصول. والصواب: العقليان.
  2. (٢) انظر: (ص: ٩٨٨).
  3. (٣) أي: دون لازم التحريم والإيجاب غائبًا.
1121

وغيره، والشافعيَّة كسعد بن عليٍّ الزَّنجاني الإمام المشهور وغيره١.

ولهؤلاء في نفي الإيجاب العقليِّ في المعرفة بالله وثبوته خلاف.

فالأقوالُ إذَن أربعةٌ لا مزيد عليها٢: أحدُها: نفيُ الحُسْن والقُبح٣، ونفيُ الإيجاب العقليِّ في العمليَّات دون العِلْميَّات كالمعرفة، وهذا اختيارُ أبي الخطَّاب وغيره٤.

فعُرِفَ أنه لا تلازُمَ بين الحُسْن والقُبح وبين الإيجاب والتَّحريم العقليَّين.

فهذا أحدُ المقامين.

* وأمَّا المقام الثَّاني، وهو انتفاءُ اللازم وثبوتُه، فللنَّاس فيه هاهنا ثلاثةُ طرق:

أحدها: التزامُ ذلك، والقولُ بالوجوب والتَّحريم العقليَّين شاهدًا وغائبًا. وهذا قولُ المعتزلة.

وهؤلاء يقولون بترتُّب الوجوب شاهدًا، وبترتُّب المدح والذَّمِّ عليه.

وأمَّا العقابُ، فلهم فيه اختلافٌ وتفصيل، ومن أثبتَه منهم لم يُثْبِته على الوجوب الثَّابت بعد البعثة، ولكنهم يقولون: إنَّ العذابَ الثَّابتَ بعد

  1. (١) انظر ما تقدم (ص: ٩٦٣، ٩٦٤) والتعليق عليه.
  2. (٢) الثلاثة المتقدمة (نفي الحسن والقبح، وإثباتهما مع التزام الإيجاب العقلي، وإثباتهما مع نفي الإيجاب العقلي مطلقًا)، والرابع هو الآتي.
  3. (٣) كذا في الأصول. وهو سبقُ قلم أو تحريف. والصواب: إثبات الحسن والقبح.
  4. (٤) انظر ما تقدم (ص: ٩٦٣) والتعليق عليه.
1122

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي