مفتاح دار السعادة

ورَدَّ هؤلاء الوجوبَ والتَّحريمَ الذي جاءت به النُّصوصُ إلى مجرَّد صِدقِ المُخْبِر، فما أخبَر بأنه يكونُ فهو واجب؛ لتصديق خبرِه، وما أخبَر أنه لا يكونُ فهو ممتنع؛ لتصديق خبرِه. فالوجوبُ والتحريمُ عندهم راجعٌ إلى مطابقة١ العلم لمعلومه، والمُخْبَر لخبره.

وقد يفسِّرون التَّحريمَ بالامتناع عقلًا، كتحريم الظُّلم على نفسه؛ فإنهم يفسِّرون الظُّلمَ بالمستحيل لذاته، كالجمع بين النَّقيضين، وليس عندهم في المقدور شيءٌ هو ظلمٌ يتنزَّهُ الله عنه مع قدرته عليه، لغِناهُ وحكمته وعدله.

فهذا قولُ هؤلاء.

والفرقةُ الثَّالثة هم الوَسَطُ بين هاتين الفرقتين:

فإنَّ الفرقة الأولى أوجَبَت على الله شريعةً بعقولها، وحرَّمت عليه وأوجَبَت ما لم يحرِّمه على نفسه ولم يُوجِبه على نفسه.

والفرقة الثَّانية جوَّزت عليه ما يتعالى ويتنزَّه عنه؛ لمنافاته حكمتَه وحمدَه وكمالَه.

والفرقة الوَسَط أثبتَت له ما أثبته لنفسه من الإيجاب والتَّحريم الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته، الذي لا يليقُ به نسبتُه إلى ضدِّه؛ لأنه مُوجَبُ كماله وحكمته وعدله، ولم تُدْخِله تحت شريعةٍ وضعَتها بعقولها كما فعلت الفرقةُ الأولى، ولم تجوِّز عليه ما نزَّه نفسَه عنه كما فعلته الفرقةُ الثَّانية.

قالت الفرقةُ الوَسَط: قد أخبَر تعالى أنه حرَّم الظُّلمَ على نفسه، كما قال

  1. (١) من قوله: «خبره وما أخبر ...» إلى هنا ساقطٌ من (ق).
1124

على لسان رسوله: «يا عبادي، إني حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي»١، وقال: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصِّلت: ٤٦]، وقال: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]؛ فأخبَر عن تحريمه على نفسه، ونفى عن نفسه فِعلَه وإرادتَه.

وللنَّاس في تفسير هذا الظُّلم ثلاثةُ أقوال٢، بحسب أصولهم وقواعدهم:

أحدها: أنَّ الظُّلمَ الذي حرَّمه وتنزَّه عن فعله وإرادته هو نظيرُ الظُّلم من الآدميِّين بعضِهم لبعض٣، وشبَّهوه في الأفعال ــ ما يحسُن منها وما لا يحسُن ــ بعباده، فضربوا له مِنْ قِبَل أنفسِهم الأمثال، وصاروا بذلك مشبِّهةً ممثِّلةً في الأفعال.

فامتنعوا من إثبات المثَل الأعلى الذي أثبته لنفسه، ثمَّ ضربوا له الأمثال ومثَّلوه في أفعاله بخلقه، كما أنَّ الجهميَّة المعَطِّلة امتنعت من إثبات المثَل الأعلى الذي أثبته لنفسه، ثمَّ ضربوا له الأمثالَ ومثَّلوه في صفاته بالجمادات النَّاقصة، بل بالمعدومات.

وأهلُ السنَّة نزَّهوه عن هذا وهذا، وأثبتوا له ما أثبته لنفسه من صفات

  1. (١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر.
  2. (٢) انظر: «شرح حديث أبي ذر» ضمن «مجموع الفتاوى» (١٨/ ١٣٧)، و«جامع الرسائل» (١/ ١٢١)، و«منهاج السنة» (١/ ١٣٤، ٢/ ٣٠٤، ٣/ ٢٠، ٥/ ٩٦).
  3. (٣) وهذا قول المعتزلة. انظر: «المغني» للقاضي عبد الجبار (٦/ ١٢٧)، و«شرح الأصول الخمسة» (٣٤٥).
1125

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي