مفتاح دار السعادة

فعَله أو لم يفعله١.

وتلقَّى هذا القولَ عنهم طوائفُ من أهل العلم٢، وفسَّروا الحديثَ به وأسنَدوا ذلك وقوَّوهُ بآياتٍ وآثارٍ زعموا أنها تدلُّ عليه:

كقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، يعني لم تتصرَّف في غير مُلكِك، بل إن عذَّبتَ عذَّبتَ من تملِك.

وعلى هذا، فجوَّزوا تعذيبَ كلِّ عبد له ولو كان محسِنًا، ولم يرَوا ذلكَ ظلمًا.

وبقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].

وبقول النبيِّ ﷺ: «إنَّ الله لو عذَّبَ أهلَ سماواته وأهلَ أرضه لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم»٣.

وبقوله ﷺ في دعاء الهمِّ والحزن: «اللهمَّ إني عبدُك وابنُ عبدك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عَدلٌ فيَّ قضاؤك»٤.

وبما رُوِي عن إياس بن معاوية قال: ما ناظرتُ بعقلي كلِّه أحدًا إلا القَدَريَّة، قلتُ لهم: ما الظُّلم؟ قالوا: أن تأخذَ ما ليس لك، أو أن تتصرَّف فيما

  1. (١) وهذا قول الجهمية والأشاعرة ومن وافقهم. انظر «غاية المرام» للآمدي (٢٤٥) وحاشيته، و«جامع الرسائل» (١/ ١٢٢).
  2. (٢) من أهل الإثبات، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ومن شرَّاح الحديث. انظر: «مجموع الفتاوى» (١٨/ ١٣٩)، و«منهاج السنة» (٢/ ٣٠٤).
  3. (٣) تقدم تخريجه (ص: ٢١).
  4. (٤) تقدم تخريجه (ص: ٨١٧).
1127

ليس لك. قلت: فللَّه كلُّ شيء١.

والتزم هؤلاء عن هذا القول لوازمَ باطلة:

كقولهم: إنَّ الله تعالى يجوزُ عليه أن يعذِّبَ أنبياءه ورسلَه وملائكتَه وأولياءه وأهلَ طاعته، ويخلِّدهم في العذاب الأليم، ويُكْرِم أعداءه من الكفَّار والمشركين٢ والشياطين، ويخصَّهم بجنَّته وكرامته، وكلاهما عدلٌ وجائزٌ عليه، وأنه يُعْلَمُ أنه لا يفعلُ ذلك بمجرَّد خبره٣؛ فصار ممتنعًا لإخباره أنه لا يفعلُه لا لمنافاته حكمتَه٤، ولا فرق بين الأمرين بالنسبة إليه، ولكن أراد هذا وأخبَر به، وأراد الآخرَ وأخبَر به، فوجبَ هذا لإرادته وخبره، وامتنعَ ضدُّه لعدم إرادته واختياره بأنه لا يكون.

والتزموا له أيضًا: أنه يجوزُ أن يعذِّبَ الأطفالَ الذين لا ذنبَ لهم أصلًا، ويخلِّدهم في الجحيم. وربَّما قالوا بوقوع ذلك٥.

فأنكَر على الطَّائفتين معًا أصحابُ التفسير الثَّالث، وقالوا: الصَّوابُ الذي دلَّت عليه النُّصوص: أنَّ الظُّلمَ الذي حرَّمه اللهُ على نفسه وتنزَّه عنه فعلًا وإرادةً هو ما فسَّره به سلفُ الأمَّة وأئمَّتُها؛ أنه لا يُحْمَلُ عليه٦ سيِّئاتُ

  1. (١) أخرجه عبد الله بن أحمد في «السنة» (٩٤٦)، واللالكائي (١٢٨٠)، والبيهقي في «الاعتقاد» (١٧٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٢٤).
  2. (٢) (ت): «الكفار والمنافقين».
  3. (٣) انظر: «منهاج السنة» (٣/ ٨٧)، و«النبوات» (٤٦٨).
  4. (٤) (ق) و(ت): «إلا لمنافاته حكمته». وهو تحريف.
  5. (٥) انظر: «النبوات» (٤٦٨، ٤٦٩).
  6. (٦) أي: على العبد. وسقطت الكلمة من (ق).
1128

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي