مفتاح دار السعادة

أعرفُ الخلق بالله وبحقِّه، وأعلمُهم به وبعدله وفضله وحكمته، وما يستحقُّه على عباده.

وطاعاتُ العباد كلُّها لا تكونُ مقابلةً لنِعَم الله عليهم، ولا مساويةً لها، بل ولا للقليل منها، فكيف يستحِقُّون بها على الله النَّجاة؟!

وطاعةُ المطيع لا نسبة لها إلى نعمةٍ من نِعَم الله عليه؛ فتبقى سائرُ النِّعم تتقاضاه شكرًا، والعبدُ لا يقومُ بمقدوره الذي يجبُ لله عليه.

فجميعُ عباده تحت عفوه ورحمته وفضله، فما نجا منهم أحدٌ إلا بعفوه ومغفرته، ولا فاز بالجنَّة إلا بفضله ورحمته.

وإذا كانت هذه حالَ العباد فلو عذَّبهم لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، لا لكونه قادرًا عليهم وهم مُلْكُه، بل لاستحقاقهم، ولو رَحِمَهم لكان ذلك بفضله لا بأعمالهم.

وأمَّا قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾؛ فليس المرادُ به أنك قادرٌ عليهم مالِكٌ لهم. وأيُّ مدحٍ في هذا؟! ولو قلتَ لشخص: إن عذَّبتَ فلانًا فإنك قادرٌ على ذلك. أيُّ مدحٍ يكونُ في ذلك؟!

بل في ضِمن ذلك الإخبارُ بغاية العدل، وأنه تعالى إن عذَّبهم فإنهم عبادُه الذين أنعمَ عليهم بإيجادهم وخلقِهم ورَزقهم وإحسانه إليهم، لا بوسيلةٍ منهم، ولا في مقابلة بذلٍ بَذَلُوه، بل ابتدأهم بنِعَمه وفضله، فإذا عذَّبهم بعد ذلك وهم عبيدُه لم يعذِّبهم إلا بجُرْمهم واستحقاقهم وظلمِهم، فإنَّ من أنعَم عليهم ابتداءً بجلائل النِّعَم كيف يعذِّبهم بغير استحقاقِ أعظم النِّقَم؟!

1133

وفيه أيضًا أمرٌ آخرُ ألطفُ مِنْ هذا؛ وهو أنَّ كونهم عبادَه يقتضي عبادتَه وحده وتعظيمَه وإجلاله، كما يُجِلُّ العبدُ سيِّدَه ومالكه الذي لا يصلُ إليه نفعٌ إلا على يده، ولا يدفعُ عنه ضرًّا إلا هو، فإذا كفَروا به أقبحَ الكفر، وأشركوا به أعظمَ الشِّرك، ونسبُوه إلى كلِّ نقيصةٍ مما تكادُ السَّمواتُ يتفطَّرنَ منه وتنشَقُّ الأرضُ وتخرُّ الجبالُ هدًّا= كانوا أحقَّ عباده وأولاهم بالعذاب. والمعنى: هم عبادُك الذين أشركوا بك، وعَدَلوا بك، وجَحَدوا حقَّك؛ فهم عبادٌ مستحِقُّون للعذاب.

وفيه أمرٌ آخرُ ــ أيضًا ــ لعلَّه ألطفُ مما قبله، وهو: إن تعذِّبهم فإنهم عبادُك، وشأنُ السيِّد المحسِن المنعِم أن يتعطَّف على عبده ويرحمه ويَحْنُو عليه١، فإن عذَّبتَ هؤلاء وهم عبيدُك لا تعذِّبهم إلا باستحقاقهم وإجرامهم، وإلَّا فكيف يشقى العبدُ بسيِّده وهو مطيعٌ له متَّبعٌ لمرضاته؟!

فتأمَّل هذه المعاني، ووازِن بينها وبين قول من يقول: «إن تعذِّبهم فأنت الملكُ القادر، وهم المملوكون المربوبون، وإنما تصرَّفتَ في مُلكِك، مِن غير أن يكون قد قام بهم سببُ العذاب»؛ فإنَّ القوم نفاةُ الأسباب، وعندهم أنَّ كفرَ الكافرين وشِرْكَهم ليس سببًا للعذاب، بل العذابُ بمجرَّد المشيئة، ومحض الإرادة.

وكذلك الكلامُ في مناظرة إياسٍ للقَدَرِيَّة، إنما أراد بأنَّ التصرُّفات الواقعةَ منه تعالى في مُلْكه لا تكونُ ظلمًا قطُّ، وهذا حقٌّ؛ فإنَّ كلَّ ما فَعَله الرَّبُّ ويفعلُه لا يخرُج عن العدل والحكمة والمصلحة والرَّحمة، فليس في أفعاله ظلمٌ ولا جَورٌ ولا سَفَه؛ وهذا حقٌّ لا ريب فيه، فإياسٌ بيَّن أنه سبحانه

  1. (١) (ت): «ويحسن إليه».
1134

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي