مفتاح دار السعادة

فعلمَ سبحانه ما في طبيعته من الضَّعف والخَوَر، فاقتضت حكمتُه أنْ أدخلَه الجنة ليعرفَ النعيمَ الذي أُعِدَّ له عيانًا؛ فيكون إليه أشوَق١، وعليه أحرَص، وله أشدَّ طلبًا؛ فإنَّ محبةَ الشيء وطلبه والشَّوق إليه من لوازم تصوُّره، فمن باشر طِيبَ شيءٍ ولذَّته وتذوَّق به٢ لم يكد يصبرُ عنه؛ وهذا لأنَّ النفسَ ذوَّاقةٌ توَّاقة، فإذا ذاقَت تاقَت، ولهذا إذا ذاق العبدُ طعمَ الإيمان وخالطت٣ بشاشتُه قلبَه رسخَ فيه حبُّه، ولم يُؤْثِر عليه شيئًا أبدًا.

وفي "الصحيح" من حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع: "إنَّ الله ﷿ يسألُ الملائكة، فيقول: ما يسألني عبادي؟ فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا يا ربِّ، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا"٤.

فاقتضت حكمتُه أنْ أراها أباهم وأسكنَه إيَّاها، ثم قَصَّ على بنيه قصَّتَه فصاروا كأنهم مشاهِدون لها حاضرون٥ مع أبيهم، فاستجاب من خُلِقَ لها وخُلِقَت له، وسارع إليها، ولم يَثْنِه عنها العاجلة، بل يَعُدُّ نفسَه كأنه فيها ثم سَباه العدوُّ، فيراها وطنه الأوَّل وقد أُخرِجَ منه، فهو دائمُ الحنين إلى وطنه،

  1. (١) (ت): "أشوف".
  2. (٢) كذا في الأصول. عدى الفعل بالباء.
  3. (٣) (ق): "وخالط"، وفي (ح، ن): "وخالط بشاشة".
  4. (٤) "صحيح البخاري" (٦٤٠٨)، و"صحيح مسلم" (٢٦٨٩).
  5. (٥) (ق، ت): "مشاهدين لها حاضرين".
23

لا يقرُّ قرارُه حتى يرى نفسه فيه١، كما قيل٢:

نَقِّل فُؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوىما الحُبُّ إلا للحبيبِ الأوَّلِ
كم منزلٍ في الأرضِ يَألَفُه الفتىوحنينُه أبدًا لأوَّلِ منزل

ولي من أبياتٍ تُلِمُّ بهذا المعنى:

وحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنهامنازلُك الأولى وفيها المُخَيَّمُ
ولكنَّنا سبيُ العدوِّ فهل تُرىنعودُ إلى أوطانِنا ونُسَلَّمُ٣

* فسِرُّ هذه الوجوه أنه ﷾ سبق في حُكمه وحكمته أنَّ الغاياتِ المطلوبة لا تُنال إلا بأسبابها التي جعلها اللهُ أسبابًا مفضيةً إليها، ومن تلك الغايات أعلى أنواع النعيم وأفضلُها وأجلُّها، فلا تُنال إلا بأسبابٍ نَصَبَها مفضيةً إليها.

وإذا كانت الغاياتُ التي هي دون ذلك لا تُنال إلا بأسبابها ــ مع ضعفها وانقطاعها ــ، كتحصيل المأكول والمشروب والملبوس والولد والمال والجاه في الدنيا؛ فكيف يُتَوهَّم حصولُ أعلى الغايات وأشرف المقامات بلا سببٍ يفضي إليه؟!

ولم يكن٤ تحصيلُ تلك الأسباب إلا في دار المجاهدة والحرث٥؛

  1. (١) (ق، ت): "فيها".
  2. (٢) البيتان لأبي تمام في ديوانه (٤/ ٢٥٣)، و"أخباره" للصولي (٢٠٥) وغيرهما.
  3. (٣) القصيدة بتمامها في "طريق الهجرتين" (١٠٨ - ١١٥). والمصنف كثيرُ الاستشهاد بالبيتين في كتبه.
  4. (٤) كذا في الأصول بتقدير الخبر: ممكنًا. ولعلها: يمكن.
  5. (٥) (د، ق): "والحرب". وهي قراءة محتملة، والمثبت أشبه.
24

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي