مفتاح دار السعادة

وبهذا التفصيل يُسْفِرُ لك وجهُ المسألة، ويتبلَّجُ صُبْحُها.

ففرقٌ بين فعله هو سبحانه الذي هو فعلُه، وبين فعل عباده الذي هو مفعولُه؛ فمحبتُه تعالى وكراهتُه للأول تُوجِبُ وقوعَه وامتناعَه، وأمَّا محبتُه وكراهتُه للثاني فلا تُوجِبُ وقوعَه ولا امتناعَه.

فإنه يحبُّ الطَّاعةَ والإيمانَ من عباده كلِّهم وإن لم تكن محبتُه مُوجِبةً لطاعتهم وإيمانهم جميعًا؛ إذ لم يحبَّ فعلَه الذي هو إعانتُهم وتوفيقُهم وخَلْقُ ذلك لهم، ولو أحبَّ ذلك لاستلزم طاعتَهم وإيمانهم.

ويُبْغِضُ معاصيهم وكفرَهم وفسوقَهم، ولم تكن هذه الكراهةُ والبغضُ مانعةً من وقوع ذلك منهم؛ إذ لم يكره سبحانه خذلانهم وإضلالَهم؛ لما له في ذلك من الغايات المحبوبة التي فواتُها يستلزمُ فواتَ ما هو أحبُّ إليه من إيمانهم وطاعتهم، وتَعَقُّلُ ذلك ممَّا يقصُر عنه عقولُ أكثر الناس، وقد أشَرنا إليه فيما تقدَّم من الكتاب١.

فالربُّ تعالى يحبُّ من عباده الطاعةَ والإيمان، ويحبُّ مع ذلك مِن تضرُّعهم وتذلُّلهم وتوبتهم واستغفارهم ومِن توبته ومغفرته وعفوه وصَفْحِه وتجاوزه ما هو ملزومٌ لمعاصيهم وذنوبهم، ووجودُ الملزوم بدون لازمه ممتنع.

وإذا عُقِلَ هذا في حقِّ المذنبين فيُعْقَلُ مثلُه في حقِّ الكفار، وأنَّ خَلْقَهم وإضلالَهم لازمٌ لأمورٍ محبوبةٍ للربِّ تعالى لم تكن تحصُل إلا بوجود لازمها؛ إذ وجودُ الملزوم بدون لازمه ممتنع، فكانت تلك الأمورُ المحبوبةُ

  1. (١) (ص: ١٢، ٨١٠، ٨١٢ - ٨٤٧).
1139

والغاياتُ المحمودةُ متوقِّفةً على خلقهم وإضلالهم توقُّفَ الملزوم على لازمه.

وهذا فصلٌ معترِضٌ لم يكن مِن غرَضنا، وإن كان أهمَّ ممَّا سُقْنا الكلامَ لأجله.

ونكتةُ المسألة: الفرقُ بين ما هو فعلٌ له تستلزمُ محبتُه وقوعَه منه، وبين ما هو مفعولٌ له لا تستلزمُ محبتُه له وقوعَه من عبده.

وإذا عُرِفَ هذا، فالظلمُ والكفرُ والفسوقُ والعصيانُ وأنواعُ الشُّرور واقعةٌ في مفعولاته المنفصلة التي لا يتَّصفُ بها، دون أفعاله القائمة به.

ومن انكشفَ له هذا المقامُ فَهِمَ معنى قوله ﷺ: «والشرُّ ليس إليك»١.

فهذا الفرقُ العظيمُ يزيلُ أكثر الشُّبه التي حارت لها عقولُ كثيرٍ من النَّاس في هذا الباب، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.

فما في مخلوقاته ومفعولاته تعالى من الظُّلم والشرِّ فهو بالنسبة إلى فاعله المكلَّف الذي قامَ به الفعل، كما أنه بالنسبة إليه يكون زنًا وسرقةً وعدوانًا وأكلًا وشربًا ونكاحًا، فهو الزاني السارقُ الآكلُ الناكِح، والله خالقُ كلِّ فاعلٍ وفعلِه.

وليست نسبةُ هذه الأفعال إلى خالقها كنسبتها إلى فاعلها الذي قامت به، كما أن نسبةَ صفات المخلوقين إليه ــ كطُوله٢ وقِصَره، وحُسْنه وقُبحه،

  1. (١) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث عليٍّ في دعائه ﷺ في قيام الليل.
  2. (٢) أي: المخلوق.
1140

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي