مفتاح دار السعادة

فصل

وقد ظهَر بهذا بطلانُ قول الطائفتين معًا:

* الذين وَضعوا لله شريعةً بعقولهم، أوجبوا عليه وحرَّموا منها ما لم يُوجِبه على نفسه ولم يحرِّمه على نفسه، وسَوَّوا بينه وبين عباده فيما يحسُن منهم ويقبُح.

وبذلك استطال عليهم خصومُهم، وأبدَوا مناقضتَهم، وكشَفوا عوراتهم، وبيَّنوا فضائحَهم.

* وكذلك بطلانُ قول الطائفة التي جوَّزت عليه كلَّ شيء، وأنكَرت حكمتَه، وجحدَت في الحقيقة ما يستحقُّه من الحمد والثَّناء على ما يفعلُه مما يُمْدَحُ بفعله، وعلى ترك ما يتركُه مع قدرته عليه مما يُمْدَحُ بتركه، وجعلت النَّوعين واحدًا، ولا فرق عندهم بالنسبة إليه تعالى بين فِعْلِ ما يُمْدَحُ بفعله وبين تركِه، ولا بين تركِ ما يُمْدَحُ بتركه وبين فعلِه.

وبهذا تسلَّط عليهم خصومُهم، وأبدَوا مناقضتَهم، وبيَّنوا فضائحَهم.

قال المتوسِّطون: وأمَّا نحن فلا يَلْزَمُنا شيءٌ من هذه الفضائح والأباطيل، فإنَّا لم نُوافِق طائفةً من الطائفتين على كلِّ ما قالته، بل وافقنا كلَّ طائفةٍ فيما أصابت فيه الحقَّ، وخالفناها فيما خالفت فيه الحقَّ، فكنَّا أسعدَ به من الطائفتين، ولله المنَّةُ والفضل.

وهذا قولُنا قد أوضحناه في هذه المسألة غايةَ الإيضاح، وأفصَحنا عنه بما أمكننا من الإفصاح، فمن وَجَد سبيلًا إلى المعارَضة، أو رامَ طريقًا إلى المناقَضة، فليُبْدِها، فإنَّا من وراء الردِّ عليه، وإهداء عُيوب مقالته إليه، ونحن نعلمُ

1142

أنه لا يَرُدُّ علينا مقالتنا إلا بإحدى المقالتين اللتَين كشفنا عن عوارهما، وبيَّنا فسادَهما، فلْيستُر عورةَ مقالته، ويُصْلِحْ فسادَها، ويَرُمَّ شَعَثَها، ثمَّ ليَلْقَ خصومَه بها، فالمحاكمةُ إلى النقل الصَّريح والعقل الصَّحيح، والله المستعان.

الوجه الثاني والستون: قولكم: «الوجوبُ والتحريمُ بدون الشَّرع ممتنع؛ لأنه لو ثبتَ لقامت الحجَّةُ بدون الرسل، والله سبحانه إنما أقامَ حجَّتَه برسله ...» إلى آخره١.

فيقال: لا ريب أنَّ الوجوبَ والتحريمَ اللذَين هما متعلَّقُ الثواب والعقاب بدون الشَّرع ممتنع، كما قرَّرتموه، والحجَّةُ إنما قامت على العباد بالرُّسل، ولكنَّ هذا الوجوبَ والتحريمَ أخصُّ من مطلق الوجوب والتحريم٢، ونفيُ الأخصِّ لا يستلزم نفيَ الأعمِّ، فمِنْ أين ينتفي مطلقُ الوجوب والتحريم٣ بمعنى حصول المقتضِي للثواب والعقاب، وإن تخلَّف عنه مقتضاه لقيام مانعٍ أو فواتِ شرط، كما تقدَّم تقريره؟!

وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]؛ فأخبَر تعالى أنَّ ما قدَّمت أيديهم سببٌ لإصابة المصيبة إيَّاهم، وأنه سبحانه أرسلَ رسولَه وأنزل كتابَه لئلَّا يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾.

  1. (١) انظر ما تقدم (ص: ٩٨٨).
  2. (٢) «أخص من مطلق الوجوب والتحريم» ليس من (ت).
  3. (٣) من قوله: «أخص من مطلق ...» إلى هنا ساقط من (ق)؛ لانتقال النظر.
1143

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي