مفتاح دار السعادة

قيل: فحينئذٍ يعودُ الإلزام، وهو أنه لا ينظُر حتى يَجِب، ولا يجبُ حتى تثبُتَ الرسالة، ولا تثبتُ حتى ينظُر.

ولهذا عَدَلَ من عَدَلَ إلى مقابلة هذا الإلزام بمثله، وقالوا: «هذا لازمٌ للمعتزلة؛ لأن الوجوبَ عندهم نظري»١.

وهذا لا يغني شيئًا، ولا يدفعُ الإلزامَ المذكور، بل غايتُه مقابلةُ الفاسد بمثله، وهو لا يُجْدِي في دفع الإلزام شيئًا.

وهذا يدلُّ على بطلان المقالتين.

وأمَّا نحنُ فلنا في دفع هذا الإلزام عشرةُ مسالك، وليس هذا موضعَ هذه المسألة، وإنما المقصودُ أن المعتزلةَ ألزَمت نظيرَ ما ألزموهم به٢.

ومنها: إلزامُ التعطيل للشرائع جملة. وقد تقدَّم بيانه قريبًا٣، حيث بيَّنَّا أنَّ متعلَّقَ الأمر والنهي إنما هو فعلُ العبد الاختياريُّ، فإذا بطلَ أن يكون له فعلٌ اختياريٌّ بطلَ متعلَّقُ الأمر والنهي، فيلزم بطلانُ الأمر والنهي؛ لأنَّ وجودَه بدون متعلَّقه محال.

إلى سائر تلك اللوازم التي أسلفناها قبلُ، فلا نطيلُ بإعادتها.

قالوا٤: أمَّا نحن، فلا يلزمنا شيءٌ من هذه اللوازم من الطَّرفين، فإنَّا لم

  1. (١) انظر: «المواقف» (١/ ١٦٤)، و«بيان المختصر» (١/ ٣٠٩)، و«رفع الحاجب» (١/ ٤٦٦).
  2. (٢) انظر: «الصواعق المرسلة» (١٤٣٧).
  3. (٣) انظر: (ص: ١١٢٠).
  4. (٤) أي المتوسطون.
1147

نسلك واحدًا من الطريقين، فلا سبيل لإحدى الطائفتين إلى إلزامنا بلازمٍ واحدٍ باطل، ولله الحمد، فمن رام ذلك فَلْيُبْدِه.

فإن قيل: فمِنْ أصلِكم إثباتُ التعليل والحكمة في الخلق والأمر، فما تصنعون بهذه اللوازم التي ألزمناها المعتزلة؟ وماذا جوابكم عنها إذا وجَّهناها إليكم؟

قيل: لا ريب أنَّا نثبتُ لله ما أثبته لنفسه، وشَهِدَت به الفِطرُ والعقولُ من الحكمة في خلقه وأمره، ونقول: إنَّ كلَّ ما خلَقه وأمرَ به فله فيه حكمةٌ بالغة، وآياتٌ باهرة١، لأجلها خلقه وأمرَ به، ولكن لا نقول: إنَّ لله تعالى في خلقه وأمره كلِّه حكمةً مماثِلةً لما للمخلوق من ذلك، ولا مشابِهةً له، بل الفرقُ بين الحكمتين كالفرق بين الفعلين، وكالفرق بين الوصفين والذَّاتين، فليس كمثله شيءٌ في وصفه، ولا في فعله، ولا في حكمةٍ مطلوبةٍ له من فعله، بل الفرقُ بين الخالق والمخلوق في ذلك كلِّه أعظمُ فرقٍ وأبينُه٢ وأوضحُه عند العقول والفِطر.

وعلى هذا، فجميعُ ما ألزمتموه لأصحاب الصَّلاح والأصلح٣ ــ بل وأضعافُه وأضعافُ أضعافه ــ لله فيه حكمةٌ يختصُّ بها لا يشاركه فيها غيرُه، ولأجلها حسُن منه ذلك، وقبُح من المخلوق؛ لانتفاء تلك الحكمة في حقِّه.

وهذا كما يحسُن منه تعالى مدحُ نفسه والثناءُ على نفسه٤، وإن قبُح

  1. (١) (ت): «وآية قاهرة».
  2. (٢) (ت): «وأثبته».
  3. (٣) المعتزلة.
  4. (٤) (ت): «والثناء عليه».
1148

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي