قال المثبتون: هذا كلامٌ هائل، وهو عند التحقيق باطل، لو أنصفَ مُورِدُه لعَلِمَ أنَّا وهو كما قال الأول: «رمتني بدائها وانسلَّت»١.
وقد بيَّنا أنَّ النفاة سدُّوا على أنفسهم طريقَ إثبات النبوَّة بإنكارهم هذه المسألة، وقالوا: إنه يحسُن من الله كلُّ شيء، حتَّى إظهارُ المعجزة على يد الكاذب، ولا فرق بالنسبة إليه٢ بين إظهارها على يد الصادق ويد الكاذب، وليس في العقل ما يدلُّ على استحالة هذا وجواز هذا، وتوقُّفُ معرفته على السمع، لا سيَّما إذا انضمَّ إلى ذلك إنكارُ كون العبد فاعلًا مختارًا٣ البتَّة، فإنَّ ذلك يسُدُّ الباب جملة؛ لأنَّ متعلَّق الأمر والنهي إنما هو أفعالُ العباد الاختياريَّة، فمَن لا فعلَ له ولا اختيارَ أصلًا فكيف يُعْقَلُ أن يكون مأمورًا منهيًّا؟! وقد تقدَّم حديثُ الإفحام وعَجْزُكم عن الجواب عنه.
قالوا: وأمَّا نحن؛ فإنَّا سهَّلنا بذلك الطريقَ إلى إثبات النبوَّات، بل لا يمكنُ إثباتُها إلا بالاعتراف بهذه المسألة؛ فإنه إذا ثبتَ أنَّ من الأفعال حسنًا ومنها قبيحًا، وأنَّ إظهارَ المعجزة على يد الكاذب قبيح، وأنَّ الله يتعالى ويتقدَّس عن فعل القبائح= علمنا بذلك صحةَ نبوَّة من أظهرَ الله على يديه الآيات والمعجزات. وأمَّا أنتم فإنكم لا يمكنُكم العلمُ بذلك.
قالوا: وكذلك نحن قلنا: إنَّ العبدَ فاعلٌ مختارٌ لفعله، وأوامرُ الشَّرع ونواهيه متوجِّهةٌ إلى مجرَّد فعله الاختياريِّ القائم به، وهو متعلَّقُ الثواب
(٣) (د، ق): «فاعلًا ولا مختارًا». (ت): «... ذلك المكان كون العبد لا فاعلًا ولا مختارًا البتة». والمثبت من (ط)، وهو مستقيم.
والعقاب. وأمَّا أنتم فلا يمكنُكم ذلك؛ لأن تلك الأفعال عندكم هي فعلُ الله في العبد، لا صُنْعَ للعبد فيها أصلًا، فكيف يتوجَّه أمرُ الشَّرع ونهيُه إلى غير فاعل، بل يُؤمَرُ ويُنهى بما لا قدرة له عليه البتَّة، بل بفِعْل غيره؟!
قالوا: فليتدبَّر المنصفُ هذا المقام، فإنه يتبيَّنُ له أنه سَدَّ على نفسه طريقَ النبوَّات، وفتحَ بابَ الاستغناء عنها.
قالوا: وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه فَطر عبادَه على الفرق بين الحسَن والقبيح، وركَّبَ في عقولهم إدراكَ ذلك والتَّمييزَ بين النوعين، كما فَطرهم على الفرق بين النافع والضَّارِّ، والملائم لهم والمُنافِر، وركَّب في حواسِّهم إدراكَ ذلك والتَّمييزَ بين أنواعه.
والفطرةُ الأولى١ هي خاصَّةُ الإنسان التي تميَّز بها عن غيره من الحيوانات، وأمَّا الفطرةُ الثانية فمشتركةٌ بين أصناف الحيوان٢، وحجَّةُ الله عليه إنما تقومُ بواسطة الفطرة الأولى، ولهذا اختُصَّ من بين سائر الحيوانات بإرسال الرسل إليه، وبالأمر والنهي، والثَّواب والعقاب، فجَعل سبحانه في عقله ما يفرِّقُ بين الحُسْن والقُبح، وما ينبغي إيثارُه وما ينبغي اجتنابُه، ثمَّ أقام عليه حجَّتَه برسالةٍ بواسطة هذا الحاكم الذي يتمكَّن به من العلم بالرسالة، وحُسْن الإرسال، وحُسْن ما تضمَّنته من الأوامر، وقُبح ما نهت عنه؛ فإنه لولا ما رُكِّبَ في عقله من إدراك ذلك لما أمكنه معرفةُ حسن الرسالة، وحُسْن المأمور، وقُبح المحظور.
(١) وهي الفرق بين الحسن والقبيح. والثانية: الفرق بين النافع والضار.