مفتاح دار السعادة

ولهذا قلنا١: إنَّ من أنكر الحُسْنَ والقُبحَ العقليَّين لزمه إنكارُ الحُسْن والقُبح الشَّرعيين٢، وإن زعمَ أنه مُقِرٌّ به؛ فإنَّ إخبارَ الشَّرع عن الفعل بأنه حسنٌ أو قبيحٌ مطابقٌ لكونه في نفسه كذلك، فإذا كان في نفسه ليس بحسنٍ ولا قبيحٍ فإنَّ هذا الخبرَ لا مخبَر له إلا مجرَّدُ تعلُّق: «افعل» أو: «لا تفعل» به، وهذا التعلُّق٣ عندكم جائزٌ أن يكون بخلاف ما هو به، وأن يتعلَّق الطلبُ بالمنهيِّ عنه، والنهيُ بالمأمور به، والتعلُّقُ لم يجعله حسنًا ولا قبيحًا، بل غايته أن جَعل الفعلَ مأمورًا منهيًّا، فعاد الحُسْنُ والقبحُ إلى مجرَّد كونه مأمورًا منهيًّا.

ولا فرق عندكم بالنظر إلى ذات الفعل بين النَّوعين، بل ما كان مأمورًا يجوزُ أن يقعَ منهيًّا، وبالعكس، فلم يكتسب الأمرُ والنهيُ صفةَ حُسْنٍ ولا قُبحٍ أصلًا، فلا حُسْنَ ولا قُبحَ إذًا عقلًا ولا شرعًا، وإنما هو تعلُّق الطَّلب بالفعل والتَّرك.

وهذا مما لا خلاصَ منه إلا بالقول بأنَّ للأفعال خواصَّ وصفاتٍ عليها في أنفسها اقتضت أن يُؤمَر بحَسَنِها، ويُنهى عن سيِّئها، ويُخْبَر عن حَسَنها بما هو عليه، ويُخْبَر عن قبيحها بما تكونُ عليه٤، فيكونُ للخبر مخبَرٌ ثابتٌ في نفسه، وللأمر٥ والنهي متعلَّقٌ ثابتٌ في نفسه.

  1. (١) (ق، د): «ما قلنا».
  2. (٢) (ق): «الشرعية».
  3. (٣) (ت): «التعليق».
  4. (٤) في الأصول: «ويخبر غيره بقبحها». والمثبت أشبه.
  5. (٥) في الأصول: «والأمر». وهو تحريف.
1152

قالوا: فعِلمُه من العقل بحُسن الحسَن وقُبح القبيح، ثمَّ عِلمُه بأنَّ ما أمرت به الرسلُ هو الحَسن، وما نهت عنه هو القبيح= طريقٌ إلى تصديق الرسل، وأنهم جاؤوا بالحقِّ من عند الله.

ولهذا قال بعض الأعراب، وقد سئل: بماذا عرفتَ أن محمدًا رسولُ الله؟ فقال: ما أمَر بشيءٍ فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيءٍ فقال العقل: ليته أمرَ به١.

أفلا ترى هذا الأعرابيَّ كيف جعلَ مطابقةَ الحُسْن والقُبح ــ الذي ركَّب الله في العقول إدراكَه ــ لِمَا جاء به الرسولُ شاهدًا على صحة رسالته وعَلَمًا عليها، ولم يقل: إنَّ ذلك يفتحُ٢ طريقَ الاستغناء عن النبوَّة بحاكم العقل؟!

قالوا: وأيضًا؛ فهذا إنما يلزمُ أن لو قيل بأنَّ ما جاءت به الرسلُ ثابتٌ في العقل إدراكُه مفصَّلًا قبل البعثة، فحينئذٍ يقال: هذا يفتح بابَ الاستغناء عن الرسالة.

ومعلومٌ أن إثباتَ الحُسْن والقُبح العقليَّين لا يستلزم هذا، ولا يدلُّ عليه، بل غاية العقل أن يدركَ بالإجمال حُسْنَ ما أتى الشَّرعُ بتفصيله أو قُبحَه، فيدركُه العقلُ جملةً، ويأتي الشَّرعُ بتفصيله.

وهذا كما أنَّ العقلَ يُدْرِكُ حُسْنَ العدل، وأمَّا كونُ هذا الفعل المعيَّن عدلًا أو ظلمًا فهذا مما يَعْجَزُ العقلُ عن إدراكه في كلِّ فعلٍ وعَقْد٣.

  1. (١) انظر ما تقدم (ص: ٨٧٤).
  2. (٢) (ق): «يقبح». وهو تحريف.
  3. (٣) يعني: اعتقاد.
1153

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي