صلاحٌ في معيشة، ولا قِوامٌ لمملكة، ولكان النَّاسُ بمنزلة البهائم والسِّباع العادِية والكلاب الضَّارِية التي يَعْدو بعضُها على بعض.
وكلُّ زَيْنٍ١ في العالم فمن آثار النُّبوَّة، وكلُّ شَيْنٍ٢ وقع في العالم أو سيقعُ فبسبب خفاء آثار النُّبوَّةِ ودُروسِها؛ فالعالَمُ حينئذٍ جسدٌ٣ رُوحُه النُّبوَّة، ولا قيام للجسد بدون رُوحه.
ولهذا إذا تمَّ انكسافُ شمس النُّبوَّة من العالم، ولم يَبْقَ في الأرض شيءٌ من آثارها البتَّة، انشقَّت سماؤه، وانتثَرت كواكبُه، وكُوِّرت شمسُه، وخُسِفَ قمرُه، ونُسِفت جبالُه، وزُلزِلت أرضُه، وأُهلِك من عليها؛ فلا قيامَ للعالَم إلا بآثار النُّبوَّة.
ولهذا كان كلُّ موضعٍ ظهَرت فيه آثارُ النُّبوَّة أهلُه أحسنُ حالًا وأصلحُ بالًا من الموضع الذي يخفى فيه آثارُها.
وبالجملة؛ فحاجةُ العالم إلى النُّبوَّة أعظمُ من حاجتهم إلى نور الشمس، وأعظمُ من حاجتهم إلى الماء والهواء الذي لا حياة لهم بدونه.
فصل
وأمَّا ما ذكره الفلاسفةُ من مقصود الشَّرائع، وأن ذلك لاستكمال النَّفس قُوى العلم والعمل، والشَّرائعُ تَرِدُ بتمهيد ما تقرَّر في العقل لا بتغييره٤...
(١) (د، ق): «دين». تحريف.
(٢) في الأصول: «شر». والمثبت أشبه.
(٣) «جسد» ساقطة من (د، ق). واستُدْرِكت في طرة (ت).
(٤) (ق): «في العقل بتعبيره». وهو تحريف.
إلى آخره١ = فهذا مقامٌ يجبُ الاعتناءُ بشأنه، وأن لا نَضْرِبَ عنه صَفْحًا، فنقولُ: للنَّاس في المقصود بالشَّرائع والأوامر والنَّواهي أربعةُ طرق٢:
أحدها: طريقُ من يقولُ من الفلاسفة وأتباعهم من المنتسبين إلى المِلَل: إنَّ المقصودَ بها تهذيبُ أخلاق النُّفوس وتعديلُها، لتستعدَّ بذلك لقبول الحكمة العِلميَّة والعمليَّة.
ومنهم من يقول: لتستعدَّ بذلك لأن تكون محلًّا لانتقاش صُوَر المعقولات٣ فيها.
ففائدةُ ذلك عندهم كالفائدة الحاصلة مِن صَقْل المِرآة لتستعدَّ لظهور الصُّوَر فيها، وهؤلاء يجعلون الشرائع من جنس الأخلاق الفاضلة والسِّياسات العادلة.
ولهذا رامَ فلاسفةُ الإسلام الجمعَ بين الشَّريعة والفلسفة، كما فعل ابنُ سينا والفارابي وأضرابهما، وآل بهم إلى أن تكلَّموا في خوارق العادات والمعجزات على طريق الفلاسفة المشَّائين٤، وجعلوا لها أسبابًا ثلاثة:
أحدها: القُوى الفلَكيَّة.
والثَّاني: القُوى النَّفسيَّة.
(١) انظر ما تقدم (ص: ١٠٠٠).
(٢) انظر: «الجواب الصحيح» (٦/ ٢٣ - ٤١).
(٣) (ق): «الصور المعقولات».
(٤) أتباع أفلاطون وأرسطو، من فلاسفة اليونان، سمُّوا بذلك لأنهم كانوا يعلِّمون تلاميذهم وهم يمشون. انظر: «أخبار الحكماء» للقفطي (٢٧، ٣٥، ٣٧)، و«درء التعارض» (١/ ١٥٧).