وجعلوا جنسَ الخوارق جنسًا واحدًا، وأدخلوا ما للسَّحرة وأرباب الرِّياضة والكهَنة وغيرهم مع ما للأنبياء والرُّسل في ذلك، وجعَلوا سببَ ذلك كلِّه واحدًا وإن اختلفت بالغايات، والنَّبيُّ قصدُه الخيرُ والسَّاحرُ قصدُه الشرُّ!
وهذا المذهبُ مِنْ أفسد مذاهب العالم وأخبثها، وهو مبنيٌّ على إنكار الفاعل المختار، وأنه تعالى لا يعلمُ الجزئيَّات، ولا يَقْدِرُ على تغيير العالَم، ولا يخلُق شيئًا بمشيئته وقدرته، وعلى إنكار الجنِّ والملائكة ومَعَادِ الأجسام.
وبالجملة؛ فهو مبنيٌّ على الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وليس هذا موضعَ الرَّدِّ على هؤلاء، وكَشْف باطلهم وفضائحهم، إذ المقصودُ ذِكرُ طُرق النَّاس في المقصود بالشَّرائع والعبادات.
وهذه الفِرقةُ غاية ما عندها في العبادات والأخلاق والحكمة العلميَّة أنهم رأوا النَّفس لها شهوةٌ وغضبٌ بقوَّتها العمليَّة، ولها تصوُّرٌ وعِلمٌ بقوَّتها العلميَّة، فقالوا: كمالُ الشَّهوة في العفَّة، وكمالُ الغضب في الحِلم٢ والشَّجاعة، وكمالُ القوَّة النَّظريَّة بالعلم، والتَّوسُّطُ في جميع ذلك بين طرفي الإفراط والتَّفريط هو العدل.
هذا غاية ما عند القوم من المقصود بالعبادات والشَّرائع، وهو عندهم
غاية كمال النَّفس، وهو استكمالُ قوَّتيها العِلميَّة والعمليَّة، فاستكمالُ قوَّتها العِلميَّة عندهم بانطباع صُوَر المعلومات في النَّفس، واستكمالُ قوَّتها العمليَّة بالعدل.
وهذا غايةُ١ ما عندهم من العلم والعمل، وليس فيه بيانُ خاصِّيَّة النَّفس التي لا كمال لها بدونه البتَّة، وهو الذي خُلِقت له، وأُريد منها، بل ما عرفه القوم؛ لأنه لم يكن عندهم مِن معرفة متعلَّقه إلا نزرٌ يسيرٌ غيرُ مُجْدٍ ولا محصِّلٍ للمقصود، وذلك معرفةُ الله بأسمائه وصفاته، ومعرفةُ ما ينبغي لجلاله، وما يتعالى ويتقدَّسُ عنه، ومعرفةُ أمره ودينه، والتَّمييزُ بين مواقع رضاه وسخطه، واستفراغُ الوُسْع في التقرُّب إليه، وامتلاءُ القلب بمحبته، بحيث يكون سلطانُ حبِّه قاهرًا لكلِّ محبة.
ولا سعادة للعبد في دنياه ولا في أخراه إلا بذلك، ولا كمال للرُّوح بدون ذلك البتَّة، وهذا هو الذي خُلِق له وأُريد منه، بل ولأجله خُلِقت السَّمواتُ والأرض، واتُّخِذَت الجنَّةُ والنَّار، كما سيأتي تقريرُه من أكثر من مئة وجهٍ إن شاء الله٢، ومعلومٌ أنه ليس عند القوم من هذا خبَر، بل هم في وادٍ وأهلُ الشأن في وادٍ.
وهذا هو الدِّينُ الذي أجمعت الأنبياءُ٣ عليه من أوَّلهم إلى خاتمتهم، كلُّهم جاء به وأخبَر عن الله أنه دينُه الذي رَضِيَه لعباده وشَرَعَه لهم وأمرهم به، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
(١) (د، ق): «وهذا مع أنه غاية».
(٢) لم يقع ذلك في باقي الكتاب. وراجع ما كتبناه في المقدمة.