منها: أنَّ ما ذكروه لا يعطي كمالَ النَّفس الذي خُلِقَت له، كما بينَّاه.
ومنها: أنَّ ما ذكروه في كمال القوَّة العمليَّة إنما غايتُه إصلاحُ البدن الذي هو آلةُ النَّفس، ولم يذكروا كمالَ النَّفس الإراديَّ والعمليَّ٢ بالمحبة والخوف والرَّجاء.
ومنها: أنَّ كمالَ النَّفس في العلم والإرادة، لا في مجرَّد العلم؛ فإنَّ مجرَّد العلم ليس بكمالٍ للنَّفس ما لم تكن مريدةً محبةً لمن لا سعادة لها إلا بإرادته ومحبته، فالعلمُ المجرَّدُ لا يعطي النَّفس كمالًا ما لم تقترن به الإرادةُ والمحبة.
ومنها: أنَّ العلمَ لو كان كمالًا بمجرَّده لم يكن ما عندهم من العلم كمالًا للنَّفس، فإنَّ غاية ما عندهم:
* [إمَّا] علومٌ رياضيَّة صحيحة، مصالحُها من جنس مصالح الصِّناعات، وربَّما كانت الصِّناعاتُ أصلحَ وأنفعَ من كثيرٍ منها.
* وإمَّا علمٌ طبيعيٌّ صحيح، غايتُه٣ معرفةُ العناصر وبعض خواصِّها وطبائعها، ومعرفةُ بعض ما يتركَّبُ منها، وما يستحيلُ من المركَّبات٤ إليها،
(١) انظر: «الصفدية» (٢/ ٢٣٣، ٢٤٩ وما بعدها)، و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٩٤)، و«درء التعارض» (٣/ ٢٧٤)، و«الرد على المنطقيين» (١٤٤).
(٢) (ط): «والعمل».
(٣) (ق، د): «علم طبيعي غاية صحيحة». والمثبت من (ط)، وهو أشبه.
(٤) في الأصول: «الموجبات». وهو تحريف. انظر: «التعريفات» (٢٤).
وبعض ما يقعُ في العالم من الآثار بامتزاجها واختلاطها. وأيُّ كمالٍ للنَّفس في هذا؟! وأيُّ سعادةٍ لها فيه؟!
* وإمَّا علمٌ إلهيٌّ كلُّه باطلٌ لم يوفَّقوا لإصابة الحقِّ فيه في مسألةٍ واحدة.
ومنها: أنَّ كمالَ النَّفس وسعادتها المستفادَ من الرُّسل ــ صلواتُ الله وسلامُه عليهم ــ ليس عندهم اليوم منه حِسٌّ ولا خبر، ولا عينٌ ولا أثر؛ فهم أبعدُ النَّاس من كمالات النُّفوس وسعاداتها.
وإذا عُرِفَ ذلك، وأنه لابدَّ للنَّفس من مرادٍ محبوبٍ لذاته لا تصلُح إلا به، ولا تكمُل إلا بحبِّه وإيثاره وقَطْع العلائق عن غيره، وأنَّ ذلك هو النِّهاية وغاية مطلوبها ومرادها الذي إليه ينتهي الطَّلب، فليس ذلك إلا الله الذي لا إله إلا هو، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ٢١ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء: ٢١ - ٢٢].
وليس صلاحُ الإنسان وجَدُّه وسعادتُه إلا بذلك، بل وكذلك الملائكةُ والجنُّ وكلُّ حيٍّ شاعرٍ١ لا صلاحَ له إلا بأن يكون الله وحدَه إلهه ومعبودَه وغاية مراده، وسيمرُّ بك إن شاء الله بسطُ القول في ذلك وإقامةُ٢ البراهين على هذا المطلوب الأعظم الذي هو غاية سعادة النُّفوس وأشرفُ مطالبها٣.