مفتاح دار السعادة

فلنرجِع إلى ما كنَّا فيه من بيان طُرق النَّاس في مقاصد العبادات.

الطَّريق الثَّاني: طريقُ من يقولُ من المعتزلة ومن تابعهم: إنَّ الله سبحانه عرَّضهم بها للثَّواب، واستأجَرهم بتلك الأعمال للجزاء، فعاوَضهم عليها معاوَضةً.

قالوا: والإنعامُ منه في الآخرة بدون الأعمال غيرُ حسَن؛ لما فيه من تكدير منَّة العطاء ابتداءً، ولما فيه من الإخلال بالمدح والثَّناء والتَّعظيم الذي لا يُسْتَحقُّ إلا بالتكليف.

ومنهم من يقول: إنَّ الواجبات الشَّرعيَّة لُطْفٌ في الواجبات العقليَّة.

ومنهم من يقول: إنَّ الغاية المقصودة التي يحصُل بها الثَّوابُ هي العمل، والعلمُ وسيلةٌ إليه. حتَّى ربَّما قالوا ذلك في معرفة الله تعالى، وأنها إنما وجبت لأنها لُطْفٌ في أداء الواجبات العمليَّة.

وهذه الأقوالُ تَصَوُّرُ العاقلِ اللبيب لها حقَّ التَّصوُّر كافٍ في جزمه ببطلانها، رافعٌ عنه مؤنةَ الرَّدِّ عليها، والوجوه الدَّالَّةُ على بطلانها أكثرُ من أن تُذْكَرَ هاهنا.

الطَّريق الثَّالث: طريقُ الجَبْريَّة ومن وافقهم؛ أنَّ الله تعالى سبحانه امتحنَ عبادَه بذلك، وكلَّفهم، لا لحكمةٍ ولا لغاية مطلوبةٍ له ولا بسببٍ١ من الأسباب، فلا لامُ تعليلٍ ولا باءُ سببٍ، إن هو إلا محضُ المشيئة، وصِرْفُ الإرادة. كما قالوا في الخَلْق سواء.

  1. (١) (ت): «لسبب».
1167

وهؤلاء قابلوا مَن قبلهم من القَدَرِيَّة والمعتزلة أعظمَ مقابلة؛ فهما طرفا نقيضٍ لا يلتقيان.

والطَّريق الرَّابع: طريقُ أهل العلم والإيمان الذين عقلُوا عن الله أمرَه ودينَه، وعرفوا مرادَه بما أمرهم ونهاهم عنه، وهي أنَّ نفسَ معرفة الله ومحبته وطاعته والتقرُّب إليه١ وابتغاء الوسيلة إليه أمرٌ مقصودٌ لذاته، وأنَّ الله سبحانه يستحقُّه لذاته، وهو سبحانه المحبوبُ لذاته، الذي لا تصلُح العبادةُ والمحبةُ والذُّلُّ والخضوعُ والتَّألُّه إلا له؛ فهو يستحقُّ ذلك لأنه أهلٌ أن يُعْبَد ولو لم يخلُق جنَّةً ولا نارًا، ولو لم يَضَع ثوابًا ولا عقابًا، كما جاء في بعض الآثار: «لو لم أخلُق جنَّةً ولا نارًا، أما كنتُ أهلًا أن أُعْبَد؟»٢.

فهو سبحانه يستحقُّ غاية الحبِّ والطَّاعة والثَّناء والمجد والتَّعظيم؛ لذاته، ولما له من أوصاف الكمال ونُعوت الجلال.

وحبُّه والرِّضا به وعنه والذُّلُّ له والخضوعُ والتَّعبُّدُ هو غاية سعادة النَّفس وكمالها، والنَّفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقدَ روحَه وحياتَه، والعين التي فقدت ضوءها ونورَها، بل أسوأ حالًا من ذلك مِنْ وجهين:

أحدهما: أنَّ غاية الجسد إذا فقدَ روحَه أن يصيرَ معطَّلًا ميتًا، وكذلك العينُ تصيرُ معطَّلة، وأمَّا النَّفس إذا فقدت كمالَها المذكورَ فإنها تبقى معذَّبةً متألِّمة، وكلَّما اشتدَّ حجابُها اشتدَّ عذابُها وألمُها، وشاهدُ هذا ما يجدُه المُحِبُّ الصادقُ المحبةِ من العذاب والألم عند احتجاب محبوبه عنه، ولا

  1. (١) (ت، ص): «والندب إليه».
  2. (٢) تقدم تخريجه (ص: ١٠٧٨).
1168

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي