سيَّما إذا يئسَ من قُرْبِه، وحَظِيَ غيرُه بحبِّه ووَصْلِه، هذا مع إمكان التَّعوُّض١ عنه بمحبوبٍ آخرَ نظيرِه أو خيرٍ منه، فكيف بروحٍ فقدت محبوبَها الحقَّ الذي لم تُخْلَق إلا لمحبته، ولا كمال لها ولا صلاحَ أصلًا إلا بأن يكون أحبَّ إليها من كلِّ ما سواه؟! وهو محبوبُها الذي لا يعوِّض عنه سواه بوجهٍ ما٢، كما قال القائل:
مِنْ كلِّ شيءٍ إذا ضيَّعتَه عِوَضٌوما مِن الله إن ضيَّعتَه عِوَضُ٣
ولو لم يكن احتجابُه سبحانه عن عبده أشدَّ أنواع العذاب عليه لم يتوعَّد٤ به أعداءه؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾[المطففين: ١٥ - ١٦]؛ فأخبَر أنَّ لهم عذابين:
أحدهما: عذابُ الحجاب عنه.
والثَّاني: صِلِيُّ الجحيم.
وأحدُ العذابين أشدُّ من الآخر.
(١) (ص): «التعويض».
(٢) (ق): «تعوض منه سواه بوجه ما». (ت): «تعويض منه سواه بوجه». (د): «يعوض منه سواه بوجه ما». (ص): «تعوض عنه بوجه». والمثبت أشبه.
(٣) أصله في «الأنساب» (١١/ ٣٩٧)، و«دمية القصر» (١٣٣٨)، و«المحمدون» للقفطي (١٤٩)، رآه أبو جعفر المعدني مكتوبًا على جدار، فأجازه. وهو في «طبقات الشافعية» (٨/ ٢٢٨)، و«زاد المعاد» (٤/ ١٧٣)، و«الداء والدواء» (١٧٣، ٤٦٢) دون نسبة.
(٤) كذا في الأصول، بلا ألف. وانظر ما تقدم (ص: ٢٧٠، ٤٩٤).
وهذا كما أنه سبحانه يُنْعِمُ على أوليائه بنعيمَين١:
* نعيم كَشْفِ الحجاب، فينظرون إليه.
* ونعيم الجنَّة وما فيها.
وأحدُ النَّعيمَين أحبُّ إليهم من الآخر، وآثَر عندهم، وأقرُّ لعيونهم، كما في «الصَّحيح» عنه ﷺ أنه قال: «إذا دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ نادى مُنادٍ: يا أهل الجنَّة، إنَّ لكم عند الله موعدًا يريدُ أن يُنْجِزَكُموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يُبيِّض وجوهَنا، ويُثَقِّل موازينَنا، ويُدْخِلنا الجنَّة، ويُجِرْنا من النَّار؟ قال: فيكشفُ الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظر إليه»٢.
وفي حديثٍ غير هذا: أنهم إذا نظروا إلى ربِّهم ﵎ أنساهم لذَّةُ النَّظر إليه ما هم فيه من النَّعيم٣.
والوجه الثَّاني: أنَّ البدنَ والأعضاء آلاتٌ للنَّفس، ورعيَّة للقلب، وخَدَمٌ له، فإذا فقَد بعضُهم كمالَه الذي خُلِقَ له كان بمنزلة هلاك بعض جُند الملك ورعيَّته، وتعطُّل بعض آلاته، وقد لا يلحقُ الملكَ من ذلك ضررٌ أصلًا، وأمَّا إذا فقَد القلبُ كمالَه الذي خُلِقَ له وحياتَه ونعيمَه كان بمنزلة هلاك المَلك وأسْرِه، وذهاب مُلكه من يديه، وصَيْرورته أسيرًا في أيدي أعاديه.
(١) (د): «بنعمتين»، وفي الطرة: «لعله: بنعيمين».
(٢) أخرجه مسلم (١٨١)، وابن حبان (٧٤٤١) واللفظ له.
(٣) أخرجه عبد بن حميد (٨٤٩ - المنتخب)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (١٨٩)، و«النقض على بشر المريسي» (٢٢٩)، وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسنادٍ فيه انقطاع. وانظر: «الشريعة» للآجري (٥٧٢).