فهكذا الروحُ إذا عدمت كمالها وصلاحَها من معرفة فاطرها وبارئها، وكَوْنه أحبَّ شيءٍ إليها، ورضاه وابتغاء الوسيلة إليه آثرُ شيءٍ عندها، حتَّى يكونُ اهتمامُها بمحبته ومرضاته اهتمامَ المُحِبِّ التَّامِّ المحبة بمرضاة محبوبه الذي لا يجدُ منه عوضًا= كانت بمنزلة المَلك الذي ذهب منه مُلكه، وأصبحَ أسيرًا في أيدي أعاديه يسومونه سوءَ العذاب.
وهذا الألمُ كامنٌ في النَّفس، لكن يسترُه سُكْرُ الشَّهوات، ويواريه حجابُ الغفلة، حتَّى إذا كُشِفَ الغطاء، وحِيلَ بين العبد وبين ما يشتهي، وجَد حقيقةَ ذلك الألم، وذاق طعمَه، وتجرَّد ألمُه عمَّا يحجبُه ويواريه.
وهذا أمرٌ يُدْرَكُ بالعِيان والتَّجربة في هذه الدَّار؛ تكون الأسبابُ المؤلمةُ للرُّوح والبدن موجودةً مقتضية لآثارها، ولكن يقومُ للقلب مِن فرحه بحظٍّ ناله من مالٍ أو جاهٍ أو وِصَالِ حبيبٍ ما يواري عنه شُهودَ الألم، وربَّما لا يشعُر به أصلًا، فإذا زال المُعارِضُ١ ذاق طعمَ الألم، ووجَد مسَّه، ومن اعتبر أحوالَ نفسه وغيره عَلِمَ ذلك.
فإذا كان هذا في هذه الدَّار، فما الظَّنُّ عند المفارقة والفِطام عن الدُّنيا، والانتقال إلى الله والمصير إليه؟!
فليتأمَّل العاقلُ الفَطِنُ النَّاصحُ لنفسه هذا الموضعَ حقَّ التَّأمُّل، ولْيَشْغَل به محلَّ أفكاره٢، فإن فَهِمَه وعَقَله واستمرَّ إعراضُه:
(١) (ت): «العارض».
(٢) (ط): «كل أفكاره». وفي (ق): «وليشعل» بالمهملة.
فما تَبْلُغُ الأعداءُ من جاهلٍما يَبْلُغُ الجاهلُ من نفسِه١
وإن لم يفْهَمه لغِلَظِ حجابه، وكثافة طبعِه، فيكفيه الإيمانُ بما أعدَّ الله تعالى في الجنَّة لأهلها من نعيم الأكل والشُّرب والنكاح والمَناظر المُبْهِجة، وما أعَدَّ في النَّار لأهلها من السَّلاسل والأغلال والحَمِيم ومُقَطَّعات الثِّياب من النَّار ونحو ذلك.
والمقصود بيانُ أن الحاجةَ إلى الرسل ــ صلواتُ الله عليهم وسلامه ــ ضروريَّة، بل هي في أعلى مراتب الضرورة، وليست نظيرًا٢ لحاجتهم إلى الحياة٣ وأسبابها، بل هي أعظمُ من ذلك.
وأمَّا ما ذُكِر عن الصَّابئة من الاستغناء عن النبوَّة، فهذا ليس مذهبًا لجميعهم، بل فيهم سعيدٌ وشقيٌّ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة: ٦٢]، فأدخَل المؤمنين من الصَّابئين في أهل السَّعادة، ولم ينالوا ذلك إلا بالإيمان بالرسل، ولكنَّ منهم من أنكر النبوَّات وعبَد الكواكب، وهم فِرقٌ كثيرةٌ ليس هذا موضع ذكرهم٤.
(١) من أبياتٍ مشهورة لصالح بن عبد القدوس، في «الحماسة البصرية» (٢/ ٤٠)، و«العقد» (٢/ ٤٣٦)، و«المنتخل» (٥٩٩)، وغيرها.
(٢) في الأصول: «نظرًا». والمثبت أشبه.
(٣) غير محررة في (د)، وفي (ق، ت): «الحاجة». والمثبت أدنى إلى الصواب. انظر: «زاد المعاد» (١/ ٦٩)، و«الفوائد» (٢٢٧).